25‏/11‏/2006

المناقلات والتشكيلات القضائية بين حجة الدفاع عن حقوق الطائفة المارونية وأحكام القانون والدستور

المناقلات والتشكيلات القضائية اللبنانية بين حجة الدفاع عن حقوق الطائفة المارونية وأحكام الدستور والقانون.

دكتور دريد بشرّاوي
أستاذ في القوانين الجزائية العامة والإجراءات الجزائية والقوانين الجنائية الدولية
في جامعة روبير شومان- فرنسا
أستاذ زائر في كلية الحقوق والعلوم السياسية في انسبروك- النمسا
محام عام أسبق- فرنسا
محام بالاستئناف

صحيفة النهار 16/11/2006

لا زالت مسألة التشكيلات القضائية اللبنانية تتفاعل في الأوساط السياسية والقانونية على خلفية استمرار رئيس الجمهورية في رفضه التوقيع على مرسوم هذه التشكيلات التي قررت من قبل مجلس القضاء الأعلى وفقا لمعايير مهنية ووظائفية والتي حاذت على موافقة وزير العدل ورئيس الحكومة. ويقوم هذا الرفض على أساس اعتبار التشكيلات المذكورة مخالفة لمبدأ المساواة أمام القانون ومجحفة بحق الطائفة المارونية. إلى ذلك فان رئيس الجمهورية يعتقد بالتأسيس على هذا الدفع الطائفي بأنه المرجعية الدستورية الصالحة التي منحها الدستور الحق في عدم التوقيع على المراسيم أو المصادقة على القوانين وفي الطلب من مجلس الوزراء إعادة النظر بالقرار المتخذ والمطعون في صحته من قبله حتى ولو كان القرار المذكور يمت إلى موضوع مناقلات القضاة وتشكيلاتهم أي إلى مسألة بحت قضائية وتنظيمية.

إن موقف رئيس الجمهورية هذا قد يعتبر صائبا وصحيحا من الناحية الدستورية فيما لو كان القرار المتخذ يدخل في صلب صلاحيات مجلس الوزراء الدستورية. لكن هذا الشرط لا يتوفر في القضية الحاضرة، وذلك لان القانون منح مجلس القضاء الأعلى حقا حصريا في تقرير المناقلات والتشكيلات القضائية وفقا لمعايير المهنية والجدارة التي يحددها. وفي حال لم يوافق وزير العدل على صيغة التشكيلات التي قررها مجلس القضاء الأعلى ولم يتم التوصل إلى اتفاق بين هاتين المرجعتين، يعطي المشترع الغلبة لقرار مجلس القضاء الأعلى ويفرض على السلطة الإجرائية المتمثلة بمجلس الوزراء موجب إصدار هذه التشكيلات بمرسوم.

وانطلاقا من هذا الواقع القانوني، يطرح السؤال حول صفة أو طبيعة قرار مجلس القضاء الأعلى المتعلق بالتشكيلات القضائية ( أولا) وحول المفاعيل القانونية التي يمكن أن يؤدي إليها تمنّع رئيس الجمهورية في التوقيع على مرسوم هذه التشكيلات في ظل الضرر الجسيم الذي يلحقه بالسلطة القضائية( ثانيا).

أولا : في الصفة القانونية لقرار مجلس القضاء الأعلى المتعلق بالتشكيلات القضائية.

عملا بأحكام المادة الخامسة الفقرة ( ب) من قانون القضاء العدلي ( المرسوم الاشتراعي الرقم 150/83 ) المعدّلة بالقانون الرقم 389 الصادر بتاريخ 21/12/2001 ، " لا تصبح التشكيلات القضائية نافذة إلا بعد موافقة وزير العدل.
- "عند حصول اختلاف في وجهات النظر بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى تنعقد جلسة مشتركة بينهما للنظر في النقاط المختلف عليها".
- " إذا استمر الخلاف ينظر مجلس القضاء الأعلى مجددا في الأمر لبته ويتخذ قراره بأكثرية سبعة أعضاء ويكون قراره في هذا الشأن نهائيا وملزما".
- " تصدر التشكيلات القضائية وفقا للبنود السابقة بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل...".

إن مقارنة هذا النص بنص المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي القديمة، تبيّن أن التعديل التشريعي الجديد يعطي لمجلس القضاء الأعلى الكلمة الفصل فيما خص مشروع المناقلات والالحاقات والانتدابات القضائية الفردية والجماعية في حال حصول اختلاف في وجهات النظر بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى حول مضمون هذه التشكيلات. ويكون قرار مجلس القضاء الأعلى " نهائيا وملزما" لوزير العدل. وذلك على عكس ما كانت عليه الحال قبل التعديل الأخير والمذكور أعلاه حيث كان القرار النهائي من اختصاص مجلس الوزراء بعد الاستماع إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي كان بامكانه أن يعرض فقط وجهة نظره غير الملزمة. وبهذا يكون المشترع قد هدف من خلال هذا التعديل الذي أدخله على المرسوم الاشتراعي رقم 150/83 ( قانون القضاء العدلي) إلى تجسيد مبدأ استقلالية السلطة القضائية عن السلطة السياسية المنصوص عنه في المادة 20 من الدستور ووضع حد للتدخلات السياسية السافرة في الشؤون الداخلية والعضوية للقضاء اللبناني والى جعل قانون القضاء العدلي متوافقا مع أحكام الدستور ومع المبادئ القانونية الأساسية التي يتوجب تطبيقها في كل نظام ديمقراطي.

غير أنه تجدر الإشارة إلى أن الفقرة ( ب ) من المادة الخامسة الجديدة من قانون القضاء العدلي تنص على أن التشكيلات القضائية تصدر وفقا للشروط السابقة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل. مما يعني أن التشكيلات المذكورة لا تصدر إلا بقرار صادر عن مجلس الوزراء أي عن السلطة السياسية أو الإجرائية في البلاد. والسؤال يطرح هنا عن الحل القانوني الواجب اعتماده في حال رفض مجلس الوزراء التشكيلات القضائية كما قررها مجلس القضاء الأعلى أو تلكأ عن إصدارها أو في حال رفض رئيس الجمهورية التوقيع على مرسوم هذه التشكيلات كما هو حاصل في الوقت الحاضر: فهل يجوز لمجلس القضاء الأعلى أن يلزم السلطة السياسية بقراره المتعلق بالتشكيلات القضائية؟ وهل يؤلّف فعل التمنّع عن توقيع مرسوم التشكيلات القضائية إساءة لاستعمال الحق أو تأخيرا لعجلة القضاء وتدخلا في أموره الداخلية أو حتى خرقا لأحكام الدستور اللبناني؟

تبدو أحكام الفقرة ( ب ) من المادة الخامسة الجديدة من قانون القضاء العدلي صريحة للغاية فيما خص الصفة التنفيذية والإلزامية والنهائية لقرار مجلس القضاء الأعلى وهي لا تحتمل أي تفسير أو تأويل أو اجتهاد، إذ أنها تنص على أن قرار مجلس القضاء الأعلى يكون " ملزما ونهائيا" في حال استمر الخلاف بينه وبين وزير العدل في شأن التشكيلات القضائية، أي انه في حال عدم التوصل إلى حل مشترك بين السلطتين السياسية والقضائية يكون قرار مجلس القضاء الأعلى المتخذ بعد النظر مجددا في الأمر ملزما لوزير العدل وبالتالي لمجمل السلطة الإجرائية المتمثلة بمجلس الوزراء ونهائيا لا رجوع عنه وغير قابل لأي طريق من طرق المراجعة القانونية أو السياسية ولا يمكن تاليا تعديله أو إلغاءه.
وتفرض هذه الصفة الإلزامية لقرار مجلس القضاء الأعلى المتعلق بالتشكيلات القضائية على الجسم القضائي وعلى السلطة السياسية على السواء وهي ليست نسبية وإنما مطلقة وغير محدودة. وهذا يعني أن المشترع أراد عن سابق تصور وتصميم أن يغلّب وجهة نظر مجلس القضاء الأعلى على وجهة نظر السلطة السياسية حفاظا على مبدأ استقلال السلطة القضائية وتطبيقا لمبدأ فصل السلطات الدستوري وحرصا منه على أن لا تضع السلطة السياسية يدها على القضاء من خلال التحكّم بمصير القضاة وبأمور مناقلاتهم وترقياتهم وجعل القاضي تحت رحمتها وخاضعا لتلبية طلباتها على حساب العدالة والحقيقة. مما يعد إنجازا مهما على صعيد استقلال القضاء مقارنة بالنص القديم.
أما بالنسبة لما يجتهد البعض في تفسير نص الفقرة ( ب) من المادة الخامسة الجديدة من قانون القضاء العدلي بالقول أن هذه الفقرة لا تنص صراحة على أن قرار مجلس القضاء الأعلى يكون ملزما لمجلس الوزراء وإنما لوزير العدل، ويكون بالتالي من حق رئيس الجمهورية عدم الموافقة على التشكيلات القضائية إذا ارتأى أنها غير عادلة ومجحفة بحق طائفة من الطوائف اللبنانية، إذ جاء في أحكامها أنه " تصدر التشكيلات القضائية وفقا للبنود السابقة بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل "، فهذا لا يعني البتة أن من حق رئيس الجمهورية أو من حق رئيس الحكومة أو من حق وزير العدل أن يرفض توقيع مرسوم التشكيلات القضائية وأن يعيق عجلة القضاء وأن يشل هذه المؤسسة الدستورية الأساسية في البلاد.

في الحقيقة إن النص على ان " تصدر التشكيلات القضائية وفقا للبنود السابقة بناء على اقتراح وزير العدل ..." يعني أن التشكيلات القضائية لا تصبح ناجزة وموضوعة موضع التنفيذ إلا بعد صدور المرسوم المذكور وفقا لما قرره مجلس القضاء الأعلى بشكل ملزم ونهائي. ويعتبر المرسوم في هذه الحال إجراء شكليا ودستوريا متمما لعملية التشكيلات القضائية يقتضي تطبيقه من قبل السلطة المختصة ( مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء) تحت طائلة المسؤولية السياسية، وليس عملا يتعلق بأساس هذه التشكيلات وبتحديد صيغتها والمعايير التي تقوم عليها، ذلك ان هذه المهمة الأخيرة تقع حصرا على عاتق السلطة القضائية المختصة أي مجلس القضاء الأعلى.
وعليه، ووفقا لأحكام المادة الخامسة الجديدة من قانون القضاء العدلي ولما استقر عليه الفقه الدستوري، تعتبر صلاحية كل المعنيين بتوقيع المرسوم من وزراء مختصين ورئيس حكومة ورئيس جمهورية صلاحية مقيدة أو ملزمة ( Compétence liée ).

ويظهر في القضية الحاضرة أنه بعد خلاف في الرأي بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى حول التشكيلات القضائية، توصل هذا الأخير إلى اتخاذ قرار ألزم بموجبه وزير العدل بتحضير مشروع مرسوم بهذه المناقلات القضائية وفق ما قرره مجلس القضاء الأعلى تم توقيعه من قبل الوزير المذكور ومن قبل رئيس الحكومة فؤاد السنيورة. غير أن مرسوم التشكيلات لم يصبح بعد ناجزا لأن رئيس الجمهورية ما زال يتمنع عن توقيعه بحجة أن التشكيلات القضائية المقترحة لا تراعي مبدأ المساواة وتحمل اعتداء على حقوق الطائفة المارونية.
من هنا تطرح تساؤلات عدة حول المفاعيل القانونية التي يمكن أن تنتج عن هذا التمنّع في التوقيع على مرسوم التشكيلات القضائية وحول إمكانية اعتبار موقف رئيس الجمهورية هذا مخالفة دستورية أو بالاحرى خرقا دستوريا. وما هو تاليا الحل القانوني الواجب اعتماده لجعل التشكيلات القضائية نافذة وفق ما قررها مجلس القضاء الأعلى؟

ثانيا: في المفاعيل القانونية لتمنع رئيس الجمهورية التوقيع على مرسوم التشكيلات القضائية.

- خرق الدستور

اعتبر بعض فقهاء القانون الدستوري في لبنان استمرار رئيس الجمهورية في امتناعه عن التوقيع على المراسيم كما في امتناعه عن تصديق بعض القوانين مخالفة دستورية فاضحة " تؤدي حتما إلى محاكمته أمام المجلس الأعلى وفقا لأحكام المادة 60 من الدستور" التي تنص على أن " لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى ...".
ولهذه الناحية قد يؤلّف فعلا تمنّع رئيس الجمهورية عن توقيع مرسوم التشكيلات القضائية مخالفة صريحة لأحكام الدستور وفق ما تنص عليه أحكام المادة 60 من الدستور، ذلك أن هذا التمنّع يؤدّي إلى عرقلة سير المؤسسات القضائية ويهدف إلى التدخل في شؤونها الخاصة وممارسة الضغوط عليها ليس رفعا للغبن المزعوم واللاحق بطائفة من الطوائف وإنما تحقيقا لأهداف ومصالح شخصية وسياسية تتمثل بتعيين بعض القضاة المحسوبين على رئيس الجمهورية في سدة بعض المراكز القضائية المهمة والحساسة والتي قد تؤمّن للرئيس التدخل الذي يبتغي في القضايا القضائية التي يريد. هذا من جهة، أما من جهة ثانية فلا يمكن لرئيس الجمهورية أن يستند إلى حجة الدفاع عن حقوق الطائفة المارونية كي لا يوقع على مرسوم التشكيلات القضائية طالما أن الدستور ينص صراحة في المادة 20 منه على استقلال السلطة القضائية وعلى ضرورة احترام مبدأ فصل السلطات وطالما أن المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي ( المرسوم رقم 150/83 ) تعطي حق تقرير المناقلات القضائية لمجلس القضاء الأعلى وتخوّله وضع معاييرها وشروطها وتجعل من صلاحيته صلاحية مطلقة وملزمة في هذا المجال للسلطة السياسية. ولا يمكن تاليا لرئيس الجمهورية أن يدفع بحجة الدفاع عن طائفة ضد طائفة أخرى، ذلك أن رئيس الجمهورية وفق ما تنص عليه المادة 49 من الدستور هو رئيس دولة لبنان كل لبنان وليس رئيس طائفة وهو رمز وحدة الوطن. إلى ذلك فان المادة الثانية عشرة من الدستور اللبناني تنص صراحة على أن التعيين في الوظائف العامة لا يجوز أن يقوم على معيار الانتماء الطائفي وإنما على أساس الاستحقاق والجدارة، إذ جاء فيها أنه " لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة وحسب الشروط التي ينص عليها القانون".
وعلى هذا الأساس، فان استمرار تمنّع رئيس الجمهورية عن توقيع مرسوم التشكيلات القضائية يؤلّف خرقا فاضحا لأحكام الدستور، وهذا ما استقر عليه الفقه الدستوري في فرنسا الذي يعتبر تمنّع رئيس الجمهورية عن التصديق على القوانين وعن التوقيع على المراسيم ليس خرقا للدستور فحسب وإنما خيانة عظمى. وتأكيدا لهذا الاتجاه الفقهي الدستوري يعرّف العالمان الدستوريان الفرنسيان " جان جيكال" و جان-ايريك جيكال إجراء التصديق على القوانين من قبل رئيس الجمهورية بالقول أنه " كما لو كان كاتب عدل الجمهورية، إن رئيس الجمهورية، الذي لا يملك حق اتخاذ المبادرة في تحريك عملية التشريع، الممنوح دستوريا ( م 39 ) لرئيس الحكومة وللنواب، يكتفي بالمصادقة على إرادة هؤلاء أو على إرادة الشعب... ولهذا يمكن تعريف إجراء المصادقة على القوانين بالعمل الذي بموجبه يشهد رئيس الجمهورية على ولادة القانون المعني ويعطي الأمر للسلطات العامة المختصة بأخذه في الاعتبار وبنشره وبوضعه موضع التنفيذ... ويقتصر دور رئيس الجمهورية في هذه العملية على القيام بمراقبة صحة القانون من حيث الشكل وليس من حيث المضمون، ما يعني أن على رئيس الجمهورية أن يتأكد من أن القانون صوّت عليه في مجلس النواب وفقا للأصول والشروط التي ينص عليها الدستور وليس أن يعاين صحة مضمونه ... ويتوجب على رئيس الجمهورية المصادقة على القانون خلال مدة خمسة عشر يوما تحت طائلة استقالته أو تعريض نفسه للملاحقة بالخيانة العظمى":
« A la manière du notaire de la République, le chef de l’Etat, privé du pouvoir d’initiative, lequel appartient au premier ministre et aux parlementaires ( art.39), se borne à authentifier la volonté exprimée par ceux-ci ( art .34) ou le peuple ( art. 11). .. La promulgation ou la naissance de la loi peut être définie comme l’acte par lequel le chef de l’Etat atteste l’existence d’une loi et donne ordre aux autorités publiques de l’observer et de la faire observer ( Conseil d’Etat, 8 février 1974, Commune de Montory, Rec. P. 93). Elle vaut ordre à toutes les autorités… de la publier sans délai au J.O. … La portée de la promulgation doit être précisée. L’intervention du chef de l’Etat se limite à la régularité formelle : à savoir qu’il atteste que la loi a été régulièrement délibérée et votée ( Conseil Constitutionnel 23 août 1985, Nouvelle-Calédonie, Rec. P. 70) et aucunement à l’approbation de son contenu… Enfin, le président est tenu d’agir dans le délai préfixe de 15 jours, faute de démissionner ou de s’exposer à la procédure de la haute trahison » ( Jean GICQUEL et Jean-Eric GICQUEL : Droit constitutionnel et institutions politiques, Edition Montchrestien, 20ème édition, Domat droit public, p. 591- Voir aussi en ce sens : Francis Hamon, Michel Tropper et Georges Bourdeau : Droit constitutionnel, L.G.D.J., 27 ème édition, 2001, 693- ). « Le président de la République se trouve dans une zone de compétence liée… Il est alors tenu de procéder à la promulgation de la loi ( art. 10-1c).La doctrine est unanime sur ce caractère impératif. Le chef de l’Etat se comporte ici comme un notaire de la République se contentant d’authentifier la volonté du législateur. Reste que stricto sensu, le chef de l’Etat en s’opposant à l’exécution de la loi peut être accusé d’avoir commis un acte de haute trahison ( art. 68 c ), c’est-à-dire un manquement grave aux devoirs de charge le rendant justiciable devant la Haute Cour de justice » ( Jean GICQUEL : La promulgation- Suspension des lois, R.D.P ( Revue de droit public) 2006, p. 574 et s.).

وفي السياق ذاته يؤكّد الفقه الدستوري على أن صلاحية رئيس الجمهورية في المصادقة على القوانين هي صلاحية مقيدة أي ملزمة، مما يعني أن ليس لرئيس الجمهورية الحق برفض تنفيذ هذا الإجراء الدستوري الملزم. وهذا ما يعلنه صراحة علماء القانون الدستوري في فرنسا ومنهم خصوصا فافورو و غايا وغوفونتيان وماستر وبفرسمان ورو وسكوفوني بالقول صراحة :
« Il appartient au président de la République de procéder à la promulgation de la loi par un décret. Non seulement le chef de l’Etat dispose, ici, d’une compétence liée ( أي صلاحية مقيدة ) ( il a l’obligation de promulguer dès lors que la loi a été définitivement adoptée), mais il doit, en outre, respecter un délai maximum de 15 jours à partir de la transmission de la loi… » ( L. Favoreu, P. Gaïa, R. Ghevontian, J.-L. Mestre, O. Pfersmann, A. Roux, G. Scoffoni : Droit constitutionnel, Précis Dalloz, 5ème édition, 2002, n°942, p. 576-577).
وفي الاتجاه القانوني عينه أيضا، يقرر مجلس شورى الدولة الفرنسي أن رئيس الجمهورية ملزم بالتوقيع على المراسيم المتخذة في مجلس الوزراء بعد عرضها على هذا المجلس ومناقشتها وإقرارها:
« Le président de la République signe les décrets délibérés en Conseil des ministres… La jurisprudence admet que le simple fait de soumettre au conseil des ministres un décret rend obligatoire la signature du président de la République, même si cette délibération n’est prévue ou imposée par aucun texte, notamment lorsqu’il s’agit de modifier un tel décret » (Conseil d’Etat, Assemblée plénière, 10 septembre 1992, Meyet, Recueil, p. 327- Voir aussi en ce sens : L. FAVOREU, P. GAIA, R. GHEVONTIAN, J.-L. MESTRE, O. PFERSMANN, A.ROUX, G. SCOFFONI : Droit constitutionnel, précis Dalloz, 5ème édition, 2002, n° 943, p. 577- Dmitri Georges LAVROFF : Le droit constitutionnel de la V° République, Précis Dalloz, 3ème édition, 1999, p. 804 et s ).

وهذا يعني أن رئيس الجمهورية يكون ملزما بالتوقيع على المراسيم بمجرد عرضها على مجلس الوزراء للمناقشة.
ولكن ما هي الإجراءات القانونية والدستورية الواجب اتخاذها في حال تمنّع رئيس الجمهورية عن توقيع المرسوم المتخذ في مجلس الوزراء أو القانون المصوّت عليه في المجلس النيابي؟ وهل يمكن اتهام رئيس الجمهورية في هذه الحال بفعل خرق الدستور المنصوص عليه في المادة 60 من الدستور اللبناني؟
- مشكلة تحديد مفهوم خرق الدستور
إن المشكلة القانونية التي تطرح هي كيفية تحديد مفهوم خرق الدستور والحالات التي يمكن اعتبارها خرقا حقيقيا للدستور. فالمادة 60 من الدستور اللبناني تنص على أنه لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى، ولكنها لا تعرّف هذين الفعلين السياسيين. أضف إلى ذلك أن المشترع اللبناني لم يأت على ذكر طبيعة أو ماهية هذين الفعلين بصورة مباشرة لا في قانون العقوبات ولا حتى في أي قانون خاص. ويشار، في هذا الصدد، إلى أن المشترع الدستوري في لبنان لم يكتف بالنص على الخيانة العظمى، بل أضاف إليها ما سمّاه بفعل " خرق الدستور"، وهذا على عكس ما نصت عليه المادة 68 من الدستور الفرنسي التي تكتفي بمصطلح " الخيانة العظمى". والسؤال يطرح هنا عن كيفية التفريق بين الخيانة العظمى وبين خرق الدستور.

إن مفهوم " خرق الدستور" يكون أكثر اتساعا وشمولا من مفهوم الخيانة العظمى بحيث يمكنه استيعاب هذا الأخير. فهناك الكثير من الأفعال التي قد يرتكبها رئيس الجمهورية والتي يمكن اعتبارها خرقا لأحكام الدستور ومنها بالطبع استمراره في عدم التوقيع على مرسوم التشكيلات القضائية.
إن كل إخلال بموجبات ووظائف رئيس الجمهورية الدستورية، أثناء قيامه بوظيفته، يمكن وصفه بخرق للدستور وبالاعتداء على أحكامه. فإذا فرّط رئيس الدولة، مثلا، باستقلال ووحدة وسلامة أراضي الوطن عن طريق القبول بتدخل حكومة بلد آخر في شؤونه الداخلية، أو عن طريق الموافقة على استباحة أرض لبنان من قبل قوات غريبة، أو إذا عمد إلى التفريق والتحريض الطائفي وتصرف على أساس انه رئيس لطائفة وليس لوطن، تعتبر أفعاله هذه خرقا لأحكام الدستور ولاسيما لأحكام المادة 49 منه التي تفرض على رئيس الجمهورية السهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. وفعل التفريط هنا بسيادة الدولة واستقلالها والتنازل عنها لمصلحة دولة أخرى قد يعتبر " خيانة عظمى" وليس فقط خرقا لأحكام الدستور يوجب محاكمته أمام المجلس الأعلى. وعليه تكمن الخيانة العظمى في فعل رئيس الدولة الذي يقدم على أساس نية سيئة ومضرة على عرقلة عمل المؤسسات الدستورية أو على منع تطبيق أحكام الدستور، ما يؤدي ليس فقط ( كما هي الحال بالنسبة لفعل خرق الدستور) إلى خرق فاضح للواجبات الدستورية الملقاة على عاتقه وإنما أيضا إلى انتهاك خطير لمصالح الدولة العليا ( جريمة سياسية). والخيانة العظمى تتحقق في هذه الحال عبر مخالفة رئيس الجمهورية ليمين الإخلاص للأمة وللدستور والذي يلتزم بموجبه " احترام دستور الأمة اللبنانية وقوانينها والحفاظ على استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه".
ولكن نلفت الانتباه إلى أن ليس كل خرق للدستور يؤلّف خيانة عظمى، فإذا سمّى رئيس الجمهورية، على سبيل المثال، رئيسا للحكومة دون التشاور مع رئيس مجلس النواب ودون القيام بالاستشارات النيابية الملزمة، فان فعله هذا يعتبر خرقا لأحكام المادة 53/2 من الدستور وليس خيانة عظمى. كما يعتبر خرقا لأحكام الدستور فعل إصدار رئيس الجمهورية مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء أو إقالتهم من دون الاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء ( م. 53/4 من الدستور)، وفعل حل مجلس النواب دون أن يطلب ذلك من مجلس الوزراء ودون أن ينال موافقته على هذا القرار ( م 55 من الدستور). إلى ما هنالك من أفعال أخرى متعددة قد تعتبر خرقا للدستور ومنها طبعا رفض رئيس الجمهورية التوقيع على المراسيم المتخذة في مجلس الوزراء وعلى القوانين.

وما يمكن التأكيد عليه هو أن فعل خرق الدستور يؤلّف، في كل الأحوال، إخلالا سياسيا وليس جريمة جزائية وذلك لأن نص المادة 60 من الدستور اللبناني، كما نص المادة 68 من الدستور الفرنسي، أتى خاليا من القاعدتين اللتين تحكمان القانون الجزائي وهما وصف فعل " خرق الدستور والخيانة العظمى" «وتحديد العقوبة " الواجب تطبيقها بحق مرتكب هذا الفعل أو المساهم في ارتكابه. وبهذا، وفي غياب أي تعريف قانوني أو دستوري لفعل خرق الدستور، وفي غياب أي نص تجريمي أو عقابي خاص، فلا يجوز اعتبار هذا الفعل جريمة توجب محاكمة فاعلها أمام المجلس الأعلى إلا إذا تطابقت عناصر هذا الفعل مع وصف قانوني معيّن منصوص عليه في قانون العقوبات أو في قانون خاص أو في الدستور قبل وقوع الفعل المنسوب إلى رئيس الجمهورية، وإلا فيمكن اعتبار إجراءات الاتهام والمحاكمة قائمة على أساس غير شرعي أو غير قانوني لمخالفتها القاعدة القانونية الأساسية التي تنص على أن " لا جريمة ولا عقوبة من دون نص نافذ وقت وقوع الفعل ". وعلى افتراض قيام المشترع حاليا بتحديد وصف فعل خرق الدستور وبتحديد العقوبات الواجب النطق بها ضد فاعله بموجب نص قانوني أو دستوري جديد، فلا يمكن تطبيق هذا النص الجديد بمفعول رجعي على مخالفة ينطبق عليها وصف خرق الدستور ومرتكبة من قبل رئيس الجمهورية قبل صدور القانون الجديد وذلك عملا بقاعدة عدم رجعية القوانين العقابية الجديدة التي ليست لصالح الشخص الملاحق أو المدعى عليه. ولكن تجوز ملاحقة رئيس الجمهورية بالخيانة المنصوص عليها في المواد 273 إلى 280 من قانون العقوبات، وان لم تكن معرّفة بموجب قانون خاص كفعل مرتكب من قبل رئيس الجمهورية، في حال توفر عناصرها التأسيسية، وذلك بالإحالة على نصوص قانون العقوبات المذكورة أعلاه التي تجرّم أفعالا يمكن إدخالها ضمن إطار الخيانة بمفهومها الضيق أو الجزائي ( حمل السلاح على لبنان في صفوف العدو- أعمال عدوان ضد لبنان- دس الدسائس لدى دولة أجنبية أو توفير الوسائل لها للعدوان على لبنان وللتدخل في شؤونه الداخلية- شل الدفاع الوطني...). ومهما يكن من أمر، لا يمكن اتهام رئيس الجمهورية بفعل خرق الدستور أو بفعل الخيانة العظمى إلا من قبل مجلس النواب بغالبية ثلثي أعضائه وفقا لما تنص عليه المادة 60 من الدستور.

ومن هنا نعتقد أن عملية اتهام رئيس الجمهورية بفعل خرق الدستور لرفضه التوقيع على مرسوم التشكيلات القضائية ليست بالعملية السهلة وتعترضها كما رأينا عقبات قانونية جدية وعقبات سياسية، إذ من جهة ليس من السهل أن يوافق مجلس النواب بغالبية ثلثي أعضائه على ملاحقة رئيس الجمهورية بفعل استمراره في التمنّع عن توقيع المرسوم المذكور أعلاه، ولا يمكن من جهة ثانية اتهام رئيس الجمهورية بخرق الدستور من دون أساس شرعي. لذلك يقتضي اللجوء إلى إجراء دستوري واقعي وعملي يمكن بموجبه وضع مرسوم التشكيلات القضائية موضع التنفيذ وجعله نافذا وذلك عن طريق تطبيق أحكام الفقرة الثانية من المادة 56 من الدستور التي تنص على أن رئيس الجمهورية " يصدر المراسيم ويطلب نشرها، وله حق الطلب إلى مجلس الوزراء إعادة النظر في أي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إيداعه رئاسة الجمهورية. وإذا أصر مجلس الوزراء على القرار المتخذ أو انقضت المهلة دون إصدار المرسوم أو إعادته يعتبر القرار أو المرسوم نافذا حكما ووجب نشره".
وبالتأسيس على نص هذه الفقرة الدستورية، على مجلس الوزراء أن يدع رئاسة الجمهورية مرسوم التشكيلات القضائية الموقع من قبل رئيس الحكومة ووزير العدل. ويكون لرئيس الجمهورية حق الطلب إلى مجلس الوزراء إعادة النظر فيه من حيث الشكل وليس من حيث الأساس أو المضمون خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إيداعه رئاسة الجمهورية. وعلى مجلس الوزراء أن يصر على التشكيلات القضائية من حيث المضمون كما قررها مجلس القضاء الأعلى لأن إجراء تقرير التشكيلات القضائية هو من اختصاص مجلس القضاء الأعلى وحده وهو إجراء نهائي وملزم للسلطة الإجرائية وفقا لأحكام المادة الخامسة ( الفقرة ب) من قانون القضاء العدلي ( المرسوم الاشتراعي رقم 150/83 المعدّل بالقانون الرقم 389 تاريخ 21/12/2001 ). وبهذا الإصرار يصبح مرسوم التشكيلات القضائية نافذا حكما ويتوجب نشره في الجريدة الرسمية. وكذلك هي الحال فيما لو انقضت مهلة الخمسة عشر يوما دون إصدار مرسوم التشكيلات أو إعادته إلى مجلس الوزراء.

16‏/10‏/2006

كتاب أصول المحاكمات الجزائية: دراسة مقارنة حول القضاء الجزائي اللبناني في القانونين اللبناني والفرنسي

صدر الكتاب الثاني من مجموعة مؤلفات الدكتور دريد بشرّاوي عن أصول المحاكمات الجزائية في دار نشر " صادر ناشرون" بعنوان: أصول المحاكمات الجزائية: دراسة مقارنة حول القضاء الجزائي اللبناني في القانونين اللبناني والفرنسي.
يتألف هذا الكتاب الذي أصبح في المكتبات من 1264 صفحة ويعالج مسائل إجرائية شائكة تتعلق بتنظيم المحاكم الجزائية، وباستقلال القضاء اللبناني عن السلطة السياسية، وبالأصول الإجرائية المطبقة أمام المحاكم الجزائية العادية والمحاكم الجزائية الاستثنائية كافة. ويقسم الكتاب إلى قسمين أساسيين: يعالج الأول بتفصيل شامل ودقيق مسائل تنظيم القضاء الجزائي، والقواعد الأساسية التي يقوم عليها التنظيم القضائي، واستقلال السلطة القضائية إزاء السلطة السياسية وإزاء المتقاضين، وتصنيف القضاء الجزائي إلى قضاء عادي والى قضاء استثنائي، ووظائف قضاء الملاحقة وقضاء التحقيق وقضاء الحكم، والإجراءات والأصول المطبقة أمامهم، وتنظيم القضاء العسكري، ودراسة القواعد والإجراءات المطبقة أمامه وأمام المحاكم الاستثنائية الأخرى كمحاكم الأحداث والمجلس العدلي والمجلس الأعلى.
أما الباب الثاني فيتطرق إلى موضوع الاختصاص الجزائي والى القواعد العامة التي تحدد هذا الاختصاص بالنظر إلى صفة المدعى عليه أو بالنظر إلى طبيعة الجريمة أو بالنظر إلى مكان وقوعها. كما يتناول مسألة الخروج على القواعد العامة للاختصاص الجزائي، وحالات امتداد هذا الاختصاص ( الترابط الجرمي )، والمسائل الأولية والطارئة، وآلية نقل الدعوى والتنازع على الاختصاص.

27‏/7‏/2006

حرب إسرائيل على لبنان: انتهاك فاضح وخطير للقانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان

حرب إسرائيل على لبنان: انتهاك فاضح وخطير للقانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان


بقلم الدكتور دريد بشرّاوي

أستاذ محاضر في القانون الجنائي الدولي وفي القانون الجنائي العام والإجراءات الجنائية في كلية الحقوق والعلوم السياسية التابعة لجامعة روبير شومان- فرنسا

محام عام أسبق- محام بالاستئناف


- تعريف القانون الدولي الإنساني والنزاعات المسلحة


يُعرّف القانون الدولي الإنساني، الذي يسمى أيضا قانون " النزاعات المسلحة"، بأنه مجموعة المبادئ والقواعد التي تحمي في زمن الحرب الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية أو الذين كفّوا عن المشاركة فيها والتي تحد من استخدام العنف أثناء الحرب أو من الآثار الناجمة عنها تجاه الإنسان عامة. ويعتبر هذا القانون فرعا من فروع القانون الدولي العام لحقوق الإنسان، غرضه حماية الأشخاص المدنيين في حالة نزاع مسلّح وحماية الممتلكات والأموال والمنشآت التي ليست ذات طابع عسكري، وهو يسعى إلى رفع أي اعتداء عسكري عن السكان غير المشتركين بصورة مباشرة أو الذين كفّوا عن الاشتراك في النزاعات المسلحة مثل الجرحى والغرقى وأسرى الحرب. وكان قد انطلق القانون الدولي الإنساني باتفاقية " جنيف" الأولى سنة 1864 التي تلتها عدة اتفاقيات وبروتوكولات هامة في هذا الحقل. هذا مع العلم أن النزاع المسلّح الدولي ينشب بين القوات المسلحة لدولتين على الأقل، أما النزاع المسلّح غير الدولي فهو المواجهة العسكرية التي تحصل داخل إقليم دولة معينة بين القوات المسلحة النظامية وجماعات مسلحة يمكن التعرّف على هويتها، أو فيما بين جماعات مسلحة غير نظامية. وتحكم قواعد القانون الدولي الإنساني النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على السواء.


- النصوص الدولية المنتهكة.

وبغض النظر عن موضوع صدقية الذريعة التي على أساسها تمكنت دولة إسرائيل من شن حربها المدمرة على لبنان ( عملية خطف جنديين إسرائيليين)، ومن دون الخوض في مسألة شرعية عمل المقاومة " الإسلامية" في لبنان وفي ما إذا كانت هذه المقاومة تعبّر فعلا عن إرادة الشعب اللبناني، كل الشعب اللبناني، أو ما إذا كانت مسيرة بمشاريع إقليمية وعلى الأخص إيرانية وسورية، فان استهداف الهجوم الإسرائيلي البربري أولا وآخرا وبصورة متعمّدة المدنيين الأبرياء والآمنين والبنى التحتية والاقتصادية في هذا البلد يناقض بشكل فاضح وصارخ القانون الدولي الإنساني ولاسيما الاتفاقيات والصكوك الدولية التي ترعى النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية وقواعد الحرب ويؤسّس جرائم حرب خطيرة يعاقب عليها القانون الدولي الجزائي.

وبالفعل فان القانون الدولي الإنساني يحظّر هذا العنف المستمر والممارس على المدنيين من أطفال وشيوخ ونساء بصورة منظمة ومنهجية، كما تحرّمه كل الديانات السماوية في حدود تحقيق العدالة في صراعات أو مواجهات يكون الهدف منها رد الظلم والطغيان والدفاع عن النفس والحياة والممتلكات مع "احترام الإنسانية في الإنسان البريء الذي أجمعت الأديان كلها على "ومضة عزة الله" في خلقه وتكوينه" ( الدكتور العميد علي عوّاد: قانون النزاعات المسلحة، دليل الرئيس والقائد، دار المؤلّف، 2004 ، ص 17 وما يليها). وبالإضافة إلى ذلك فإن الحضارات كلها تجسّد هذه القيمة الإنسانية وترفض الظلم الذي يكمن في إيقاع الأذى بغير وجه حق وعدل بواسطة أسلحة مدمرة ومحظورة دوليا. ذلك إن الهدف من "الحرب العادلة" هو وضع حد لاغتصاب حقوق الشعب وليس ارتكاب جرائم حرب وضد الإنسانية ضد شعب آخر والخروج على تقاليد الأديان والقيم الإنسانية وقواعد القانون الدولي الإنساني. ومن هذا المنطلق بالذات، وبالتأسيس على هذه القيم والقواعد، فان قانون النزاعات المسلحة ( القانون الدولي الإنساني- قانون الحرب) يهدف أساسا إلى حماية الإنسانية وحقوق الإنسان من خلال القوانين والاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية التي تحدد قيود استخدام القوة العسكرية في النزاعات المسلحة والتي ترتكز خصوصا على المبادئ الإنسانية والأعراف الدولية المستقرة والمعترف بها دوليا. ومن أهم هذه النصوص الدولية :

- اتفاقية " جنيف الأولى" لسنة 1864.

- إعلان سان بطرسبرغ لعام 1868 لحظر القذائف المتفجرة.

إعلان لاهاي لسنة 1899 حول قذائف " دم دم " والغازات الخانقة.
اتفاقية " لاهاي" لعام 1907 وهي تتضمن نصوصا أساسية تضع ضوابط وقواعد وأصول مهمة للنزاعات المسلحة، إذ أنها تهدف إلى تنظيم وسائل حل النزاعات بين الدول بالطرق السلمية والى وضع قيود على استخدام الأسلحة في النزاعات المسلحة البرية والبحرية.
اتفاقية هيج لعام 1907 التي تتضمن قواعد مهمة تتعلق بمفهوم الحياد وبمفهوم الاحتلال وبكيفية إدارة العمليات الحربية. يشار إلى أنه أضيفت على هذه الاتفاقية قواعد الحرب الجوية التي وضعت مسودتها في العام 1923 من دون أن تعتمد بشكل رسمي حتى الآن.
بروتوكول جنيف بشأن تحظير استعمال الغازات السامة والأسلحة الجرثومية لعام 1925.
ميثاق الأمم المتحدة.
اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.
اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية المواقع الثقافية في زمن النزاعات المسلحة.
اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية لعام 1972 .
اتفاقية أوسلو لمنع استخدام بعض الأسلحة.
اتفاقية باريس لتحظير استعمال الأسلحة الكيماوية.
اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980 بشأن حظر أو تقييد بعض الأسلحة التقليدية.
البروتوكولان الإضافيان لاتفاقيات جنيف الأربع الموقعان في العام 1977 لاستكمال الحماية التي تضمنها اتفاقيات جنيف لعام 1949 في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية ( أي النزاعات المسلحة الداخلية). ويذكر أن موضوع الاتفاق الأول ضحايا النزاعات المسلحة الدولية، وهو يتضمن اعتبار حروب التحرير الوطني نزاعا دوليا مسلحا. ويعترف هذا البروتوكول لمقاتلي حرب العصابات بصفة المقاتل وصفة أسير الحرب ويهتم بالسكان المدنيين وصيانتهم وتجنيبهم تبعات النزاع المسلح أثناء العمليات العسكرية بهدف الحد من الأخطار التي تحدق بهم في زمن الحرب، أما البروتوكول الثاني فيعرّف النزاع المسلّح غير الدولي ويدعّم الضمانات الأساسية لغير المقاتلين وتقديم الخدمات اللازمة لمساعدة الأسرى.
اتفاقية أوتاوا لعام 1997 لمنع استخدام الألغام ضد الأفراد.


ومن بين هذه النصوص، تؤلّف اتفاقيات جنيف المصادق عليها سنة 1949 والبروتوكولان المضافين عليها في سنة 1977 واتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية المرتكز القانوني الأساس للقانون الدولي الإنساني المطبق على النزاعات المسلحة وللقضاء الجنائي الدولي الدائم ( المحكمة الجنائية الدولية التي أنشئت بموجب اتفاقية روما لعام 1998 والتي بدأت العمل منذ تاريخ الأول من تموز سنة 2002 ).



- حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لا يبرّر ضرب المدنيين.

يتبيّن من خلال تمحيص نصوص الاتفاقيات والصكوك الدولية المذكورة أعلاه أن الحرب المدمرة والمبرمجة التي يشنها الجيش الإسرائيلي اليوم على لبنان والتي ينتج منها قصف المدنيين الآمنين وتشريد مئات الآلاف منهم وضرب البنى التحتية والاقتصادية في هذا البلد من دون التركيز أولا وأساسا على الأهداف العسكرية لحزب الله ومن دون التمكّن حتى الآن من ضرب أي موقع عسكري تابع للمقاومة، تشكّل خرقا فاضحا لقوانين النزاعات المسلحة وللمبادئ العامة والأعراف التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني وان كانت إسرائيل ترتكز في حربها الضروس هذه على مبدأ حق الدفاع عن النفس المكرّس بنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. ذلك أن ضخامة واتساع العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل في لبنان منذ عشرة أيام يثبت تخطيها لحق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة من حيث استهداف هذه العمليات بالدرجة الأولى وبشكل منظم ودائم المنشآت والبنى المدنية والجسور ودور العبادة والمدنيين الذين لا تربطهم بالمقاومة أي صلة عسكرية والذين لم يمدوا يد العون لمقاتلي المقاومة، ومن حيث استعمال الجيش الإسرائيلي لكم هائل ومخيف من الأسلحة المدمرة والمتطورة وحتى بعض الأسلحة التي تحظرها الاتفاقيات الدولية. ومن هنا، يتأكد بوضوح أن إسرائيل تخرق أحكام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تعترف بحق كل دولة بالدفاع عن نفسها إما بشكل فردي وإما بشكل جماعي، وذلك لعدم تناسب وسائل الدفاع التي تستعملها مع خطورة الاعتداء الذي وقع عليها ( خطف الجنديين)، هذا إذا كان هناك فعلا من اعتداء. وعليه، لا يمكن التسليم بأن العملية المدمرة التي تقوم بها تستند إلى حق الدفاع عن النفس، إذ أن هذا الحق لا يقوم إلا في حال كانت وسيلة رد العدوان متناسبة مع حجم خطورة وقوة العدوان الواقع. يضاف إلى ذلك إن نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة يضع لزاما على الدولة التي تستعمل حق الدفاع بأن تبلّغ مجلس الأمن فورا "بعملية رد العدوان" أو بإجراءات استعمال حق الدفاع، على أن لا يحول هذا الدفاع عن النفس دون تمكّن مجلس الأمن من القيام بالإجراءات التي يراها مناسبة من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدولي تطبيقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ويلاحظ، في هذا السياق، أن مجلس الأمن الذي يقع على عاتقه موجب حفظ الأمن والسلم الدوليين وفقا لما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة لم يبادر بعد إلى اتخاذ قرار بوقف شامل لإطلاق النار في وقت ترتكب فيه إسرائيل مجزرة بحق اللبنانيين المدنيين وجرائم حرب خطيرة يعاقب عليها القانون الدولي الجنائي وتشرّد مئات الآلاف منهم وتدمّر البنى التحتية للبنان بشكل وحشي.

لذلك فان هذا الموقف الصامت يدل على أن العدالة الدولية تكيل بمكيالين وان هذه العدالة هي عدالة القوي ضد الضعيف، وعدالة التسلّط والهيمنة والاحتلال ضد حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير. وهذا الواقع الأليم يثبت أيضا أن المجتمع الدولي يقف دائما موقف المتفرّج عندما يتعرّض لبنان لاعتداء ما رغم هول وشراسة الاعتداء. فلبنان محكوم عليه بأن يكون دائما ساحة لتنفيذ المشاريع الإقليمية ولتصفية الحسابات والصراعات الإقليمية والدولية وبأن يكون حقلا لتجارب الأسلحة ولعرض العضلات العسكرية على حساب اقتصاده وأمن سكانه وبناه التحتية التي دمّرت بفعل هذه الحرب البربرية التي تشنها إسرائيل على المدنيين. كل هذا يتم وللأسف أمام أعين المجتمع الدولي الذي يقف موقف المتفرّج أو العاجز، مما يشجّع المعتدي على الإمعان في اعتداءاته وفي انتهاكه لكل القواعد والمبادئ الأساسية لقانون النزاعات المسلحة ( أولا) ولكل الاتفاقيات والمواثيق المعنية بحماية حقوق الإنسان ( ثانيا).


أولا: انتهاك القواعد والمبادئ الأساسية لقانون الحرب أو النزاعات المسلحة.


إن الحرب الحالية التي تقودها إسرائيل ضد لبنان والتي باستمرارها على النحو البربري والوحشي الذي تعتمده أساسا لنجاحها وذلك بالقضاء على أكبر عدد ممكن من المدنيين العزّل والأبرياء وبتهديم ما أمكن من المنشآت المدنية والجسور والبيوت، تشكّل انتهاكا فاضحا للعديد من القواعد والمبادئ الأساسية التي تحكم النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، إذ أنها تخالف مبدأ الضرورة في اللجوء إلى استعمال القوة والحل العسكري، ومبدأ التقيّد بحدود دولية معينة لاستعمال وسائل القتال، وموجب تحييد المدنيين ومبدأ تناسب الوسيلة العسكرية المستعملة مع حجم الاعتداء أو الخطر المحدق بالجهة التي تلجأ إلى القوة من أجل حل نزاعها مع الطرف المستهدف.


مخالفة مبدأ الضرورة في اللجوء إلى استعمال القوة أو الحل العسكري


لا تسمح قواعد القانون الدولي الإنساني باللجوء إلى استعمال القوة من اجل حل النزاعات بين الدول أو في داخل الدول إلا في حالة الضرورة القصوى بحيث تكون القوة الوسيلة الوحيدة التي يمكن استخدامها من أجل التوصل إلى حفظ السلم والأمن الدوليين أو من اجل رد العدوان أو وضع حد للأعمال الإرهابية التي تتعرض لها الدولة المعتدى عليها. وهذا ما يمكن استنتاجه من نص البند الثالث من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة الذي جاء فيه أنه " يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر". وهذا ما يؤكّد عليه أيضا وبشكل صريح البند الرابع من المادة ذاتها بنصه على أنه " يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة". مما يعني أن الدولة المعنية لا يمكنها استعمال القوة العسكرية ضد دولة أخرى أو بلد آخر إلا في حالة الضرورة كحالة الدفاع عن النفس أو كالحالة التي يصبح فيها استخدام القوة العسكرية الوسيلة الوحيدة المتوفرة لرد العدوان أو لحفظ الأمن والسلم الدوليين أو لمواجهة أعمال إرهابية تطال من أمن الدولة المعنية ومن سلامة مواطنيها. ولكن حتى في هذه الحالات لا يمكن استخدام مبدأ الضرورة الحربية كعذر يبرر القيام بأعمال غير إنسانية وانتهاكات تعبّر عن عدم الامتثال لقواعد قانون النزاعات المسلحة.

ومن مراجعة مجرى وطبيعة الأعمال الحربية التي قام بها الجيش الإسرائيلي ضد لبنان، يتبيّن أن هذه الأعمال لا يمكن إسنادها إلى حالة الضرورة العسكرية، ذلك أن فعل خطف الجنديين الإسرائيليين لا يؤلّف مبررا كافيا ومقنعا كي يستخدم كأساس شرعي لهذه الحرب الشرسة التي شنتها إسرائيل ضد لبنان، وهذا لأن هذا الفعل وان كان يتصف بالخطورة بالنسبة لدولة إسرائيل وبالنسبة للمجتمع الدولي، فهو لم يهدد فعلا الكيان الإسرائيلي ولم يحمل اعتداء خطيرا على أمن إسرائيل وسلامة مواطنيها ولا يبرر تاليا حربا مدمرة ومنظمة واسعة النطاق. هذا من جهة، أما من جهة ثانية فحالة الضرورة العسكرية لا تقوم قانونا إلا إذا كانت مسندة إلى سبب شرعي أو قانوني، مما يعني أنه لا يمكن اعتبار فعل خطف الجنديين الإسرائيليين اعتداء فعليا ضد الجيش الإسرائيلي طالما أن إسرائيل لا زالت تحتفظ بعدد من الأسرى اللبنانيين من دون وجه حق. ومن هنا، فان فعل خطف الجنديين الإسرائيليين يمكن إدخاله في خانة عمل المقاومة الشرعي ضد العدو الذي تجيزه شرعة الأمم المتحدة في البند الثاني من مادتها الأولى ( حق الشعوب في تقرير المصير).

وبالتأسيس على هذه العناصر يمكن التأكيد على أن الحرب التي تشنها اليوم دولة إسرائيل ضد لبنان لا تقوم على أساس الضرورة العسكرية، وذلك من جهة لأن هذه الضرورة لا تستند إلى أي مبرر موضوعي حقيقي ولأن العملية الحربية التي يراد تبريرها بالضرورة العسكرية لا تتمتع بالشرعية الحاسمة من جهة ثانية.


مخالفة مبدأ التقيّد بحدود معّينة في عملية استعمال القوة العسكرية.


إن حق اللجوء إلى استعمال القوة العسكرية ضد دولة ما أو مجموعة ما لا يعتبر حقا مطلقا، إذ أنه يخضع لقيود نصت عليها قواعد قانون النزاعات المسلحة وفرضت على جميع الدول التقيد بها واحترامها. فقد أكّدت المادة 35 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الموقع في العام 1977 على « إن حق أطراف أي نزاع مسلح في اختيار أساليب ووسائل القتال ليس حقا لا تقيده قيود". وفي الاتجاه ذاته، كانت قد أشارت صراحة المادة 22 من اتفاقية لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية الموقعة في 18 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1907 إلى أنه " ليس للمتحاربين حق مطلق في اختيار وسائل إلحاق الضرر بالعدو".


وعلى هذا الأساس، ليس للمتحاربين الحق غير المقيّد بأي قيد في اختيار وسائل الإضرار، وهذا لأن الهدف الرئيسي للحرب يكون ضرب القوة العسكرية للعدو وإيقاع الهزيمة به. وفي السياق ذاته، يحظّر البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1949 استخدام الأسلحة التي من شأنها زيادة معاناة الجرحى وآلامهم وجعل تدهور حالتهم الصحية أو موتهم أمرا محتوما ومؤكدا. وهذا ما كانت قد أكّدت عليه من قبل المادة 12 من اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان المؤرخة في 12 آب / أغسطس 1949 والتي جاء فيها أنه " يجب في جميع الأحوال احترام وحماية الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة وغيرهم من الأشخاص المشار إليهم في المادة التالية". وكذلك تنص المادة 16 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب على أنه " يكون الجرحى والمرضى وكذلك العجزة والحوامل موضع حماية واحترام خاصين...".

وبالنظر إلى هذه القواعد، يظهر أن إسرائيل لم تفرط في استعمال القوة العسكرية فحسب وإنما لم تتقيد بأي حدود أو سقف في تنفيذ عملياتها العسكرية حيث لجأت إلى استعمال كافة الأسلحة الثقيلة وحتى بعض الأسلحة المدمرة وغير المسموح استعمالها والمحرّمة دوليا ضد المدنيين العجزة ولأطفال والنساء والمرضى من دون تمييز ومن دون شفقة أو رحمة ولم تضع لعملياتها الحربية أي حدود أو أهداف واضحة ومحددة غير تلك التي تبتغي القتل والدمار والتهجير ليس إلا. هذا بالإضافة إلى أن الأعمال الحربية العنيفة التي يقودها الجيش الإسرائيلي اليوم ضد لبنان لم تؤد إلى تدمير أو إصابة أي هدف أو موقع عسكري، ما يؤكّد أن لجوء إسرائيل إلى استعمال القوة يهدف إلى تدمير لبنان والقضاء على بنيته التحتية وعلى اقتصاده ويتخطى حدود وأهداف العمليات العسكرية المسموح بها في قانون النزاعات المسلحة.


د – مخالفة موجب تحييد المدنيين في العمليات العسكرية.


يقع هذا الموجب الإلزامي على عاتق الدولة التي تلجأ إلى استعمال القوة العسكرية بحيث يفرض عليها قانون النزاعات المسلحة حماية المدنيين وتحييدهم وذلك باتخاذ الإجراءات الضرورية التي يمكن بموجبها التمييز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية والتمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين. وتلتزم الدولة التي تختار القوة العسكرية لحل نزاعها مع دولة أخرى أو لصد عدوان ما أو لوضع حد لخطر إرهابي أو لأعمال إرهابية معينة بحماية الأشخاص العاجزين عن القتال أي المقاتلين الذين عجزوا عن القتال بسبب مرضهم أو إصابتهم بجروح أو أسرهم أو لأي سبب آخر يمنعهم من الدفاع عن أنفسهم وعناصر الخدمات الطبية وأفراد الهيئات الدينية، وذلك تطبيقا لنص المادة 12 من اتفاقية جنيف الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى في الميدان ولنص المادة 16 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. كما يتوجب على القوات المسلحة التي تستخدم القوة العسكرية، عملا بأحكام المادة 21 من اتفاقية جنيف الرابعة، احترام وحماية عمليات نقل الجرحى والمرضى المدنيين والعجزة والنساء التي تجري في البر بواسطة قوافل المركبات وقطارات المستشفى أو في البحر بواسطة سفن مخصصة لهذا النقل. وعلى كل طرف من أطراف النزاع أن يكفل حرية مرور جميع رسالات الأدوية والمهمات الطبية ومستلزمات العبادة المرسلة حصرا إلى سكان مدنيين حتى ولو كانوا تابعين لدولة عدوة. وعليه أيضا الترخيص بحرية مرور أي رسالات من الأغذية الضرورية، والملابس، والمقويات المخصصة للأطفال والنساء الحوامل أو النفاس ( م 23 من اتفاقية جنيف الرابعة). ويكون من واجبات أطراف النزاع اتخاذ التدابير الضرورية لضمان عدم إهمال الأطفال دون الخامسة عشر من العمر الذين تيتموا أو افترقوا عن عائلاتهم بسبب الحرب وتيسير إعالتهم وممارسة طقوس ديانتهم وإيوائهم في بلد محايد طوال مدة النزاع ( م 24 من اتفاقية جنيف الرابعة ).

ويتبيّن من خلال الوقائع الثابتة بالصور والمشاهد التلفزيونية والتقارير الصحافية والأمنية أن القوات الإسرائيلية تنتهك في الحرب التي تشنها على لبنان كل هذه القواعد والأعراف التي تحكم النزاعات المسلحة كونها تستهدف بقصفها العشوائي المدنيين من دون تمييز بين مواقع عسكرية وأخرى مدنية ومن دون التمييز بين مقاتلين وغير مقاتلين وتقوم بضرب الجسور وبقطع كل المواصلات البرية بهدف منع وصول المؤن والأغذية والأدوية إلى المدنيين اللبنانيين المحاصرين. يضاف إلى ذلك أن هذه القوات وبدلا من أن تتخذ إجراءات معينة لتحييد المدنيين من الأطفال والنساء والعجزة ولحمايتهم أو لتسهيل عملية نقلهم إلى مناطق آمنة أو محايدة، راحت تلقي عليهم الأطنان من القنابل وتقطع عنهم المؤن والأغذية وتهجّرهم من منازلهم ومن قراهم ومدنهم وترتكب بحقهم أبشع الجرائم وأخطرها ( جرائم حرب ) التي يعاقب عليها القانون الدولي الجنائي، ما يؤلّف خرقا فاضحا وخطيرا لكل قواعد قانون النزاعات المسلحة أو للقانون الدولي الإنساني.


ه – مخالفة مبدأ تناسب الوسيلة العسكرية المستعملة مع حجم الاعتداء وخطورته.


الكل يسلّم بأن الحرب التي تشنها إسرائيل ضد لبنان تتخطى بمداها وبنوع الأسلحة والوسائل العسكرية المستعملة وكثافة القصف الجوي الذي لجأ إليه الجيش الإسرائيلي في عملياته الحربية ضد المواطنين المدنيين والبنى التحتية وشبكة الاتصالات الهاتفية السلكية واللاسلكية ومحطات البث الإذاعي والتلفزيوني وغيرها، حجم وخطورة العملية العسكرية التي نفذتها المقاومة ضد القوات العسكرية الإسرائيلية والتي كمنت في خطف جنديين إسرائيليين وقتل سبعة جنود آخرين. وهذا ما يخالف مبدأ تناسب الوسائل العسكرية المستعملة مع حجم وخطورة الاعتداء أو الخطر الذي تتعرض له الدولة التي تلجأ إلى استعمال القوة العسكرية. ويقضي هذا المبدأ بعدم الإفراط في استعمال القوة العسكرية ووسائل القتال بحجم لا يتناسب مع خطورة الوضع العسكري أو الصفة العسكرية للهدف المقصود. ومن هذا المنطلق يضع قانون النزاعات المسلحة لزاما على أطراف النزاع ببذل رعاية متواصلة في إدارة العمليات العسكرية من أجل تفادي إلحاق الأذى بالمدنيين وبالامتناع عن اتخاذ قرار بشن هجوم عسكري قد يتوقع منه أن يحدث، بشكل عرضي، خسائر في الأرواح بين المدنيين أو إلحاق الأذى بهم أو بممتلكاتهم. كما أن قواعد قانون النزاعات المسلحة تفرض بأن يلغى أو يعلّق أي هجوم عسكري إذا تبيّن أن الهدف المتوخى من ضربه ليس هدفا عسكريا أو قد ينتج منه، بصورة عرضية، ضرر وخسائر بشرية أو مادية مدنية. وهذا ما تؤكّد عليه المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين التي تنص على أنه " يحظّر على دولة الاحتلال أن تدمّر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات، أو بالدولة أو السلطات العامة، أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتما هذا التدمير".

ويظهر من خلال طبيعة العمليات الحربية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في لبنان إن الوسائل العسكرية التي يستعملها في هذه العمليات لا تتناسب البتة مع خطورة الأعمال التي قامت بها المقاومة ولا حتى مع الوسائل الحربية المستخدمة من قبل هذه المقاومة التي لا تمتلك كالجيش الإسرائيلي كافة الأسلحة والأعتدة الحربية المتطورة ولا الدبابات ولا الطيران الحربي الذي تلجأ إليه إسرائيل بصورة أساسية في هذه المعركة، مما يعتبر خرقا فاضحا لقواعد قانون النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية وخصوصا أن القوات الإسرائيلية، ووفقا لمعلومات صحافية ودولية، لجأت إلى استعمال أسلحة محرّمة دوليا في هذه الحرب ضد المدنيين اللبنانيين ولاسيما منها القنابل الفسفورية والعنقودية.


ثانيا: انتهاك القواعد الأساسية لحقوق الإنسان


تأثر القانون الدولي الإنساني، فيما يتعلق بحماية المدنيين وضحايا الحروب وبأسلوب إدارة العمليات العسكرية، بالصكوك الأساسية المعنية بحقوق الإنسان ولاسيما منها الإعلان العالمي لشرعة حقوق الإنسان والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وذلك على أساس أن للإنسان التمتع بحقوقه اللصيقة بآدميته وكرامته البشرية على قدم المساواة في زمن الحرب كما في زمن السلم.

لذلك فان هناك تقارب كبير بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ كلاهما يعنى بحماية حق كل إنسان في الحياة والسلامة البدنية والمعنوية والكرامة الإنسانية مهما كانت الظروف. ولكن بحكم طبيعة القانون الدولي الإنساني ( الحد من المعاناة في النزاعات المسلحة)، فان هذا القانون يضم أحكاما أكثر تحديدا وخصوصية لجهة النزاعات المسلحة من تلك الواردة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق المتعلقة بحماية حقوق الإنسان عامة. ويذكر هنا على سبيل المثال الأحكام المتصلة بوسائل وأساليب القتال. ورغم التمايز بين قانون النزاعات المسلحة وقانون حقوق الإنسان، هناك تكامل بين المبادئ والقواعد التي يتضمناها وخصوصا لجهة الأهداف المشتركة والأساسية ألا وهي حماية الإنسان في حقوقه الإنسانية أي في حياته وسلامته البدنية وحريته وكرامته الإنسانية ( أ) واتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع حد للانتهاكات التي تخرق هذه الحقوق وقانون النزاعات المسلحة، ومحاكمة مرتكبي هذه الانتهاكات وفقا لأحكام القانون الدولي الجنائي ( ب).


أ- الحقوق المحمية

تحقيقا للأهداف السامية المذكورة أعلاه، نصت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لشرعة حقوق الإنسان على أن " لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه". وتحرّم المادة الخامسة من الإعلان ذاته تعريض أي إنسان للتعذيب أو للعقوبات والمعاملة القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة الإنسانية. ويقضي الإعلان أيضا بمعاملة الأشخاص معاملة إنسانية دون أي تمييز قائم على العرق أو الجنسية أو الجنس أو الانتماء السياسي أو المعتقدات الدينية، وخصوصا الأشخاص الذين تشملهم الحماية بموجب القانون الدولي الإنساني أي الأشخاص المحميين بموجب المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب. وهذا ما جاء التأكيد عليه في المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على أنه " للأشخاص المحميين في جميع الأحوال حق الاحترام لأشخاصهم وشرفهم وحقوقهم العائلية وعقائدهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم. ويجب معاملتهم في جميع الأوقات معاملة إنسانية، وحمايتهم بشكل خاص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد، وضد السباب وفضول الجماهير. ويجب حماية النساء بصفة خاصة ضد أي اعتداء على شرفهن، ولاسيما ضد الاغتصاب والإكراه على الدعارة وأي هتك لحرمتهن. ومع مراعاة الأحكام المتعلقة بالحالة الصحية والسن والجنس، يعامل جميع الأشخاص المحميين بواسطة طرف النزاع الذي يخضعون لسلطته، بنفس الاعتبار دون تمييز ضار على أساس العنصر أو الدين أو الآراء السياسية".

وتجدر الإشارة إلى أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يؤكّد على ما جاء في الإعلان العالمي لشرعة حقوق الإنسان من حيث حماية حق الأشخاص بالحياة وبالسلامة البدنية وبالكرامة الإنسانية، إذ نصت المادة 6-1 منه على أن " لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة، ويحمي القانون هذا الحق، ولا يجوز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي". كما جاء في مادته السابعة أنه " لا يجوز إخضاع أي فرد للتعذيب أو لعقوبة أو لمعاملة فظة أو غير إنسانية أو مهينة...". ورغم أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يخوّل للدول في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تهدد كيان الدولة الحد من بعض الحقوق، فهو ينص في البند الأول من مادته الرابعة على حصر استعمال هذا الحق ضمن حدود التزامات القانون الدولي الإنساني وشرط أن لا تتنافى الإجراءات المتخذة من قبل الدولة المعنية والتي تحد من حقوق الإنسان مع قواعد القانون الدولي الإنساني وأن لا تتضمن تمييزا على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الديانة أو الأصل الاجتماعي فحسب.


والى جانب الصكوك الدولية المذكورة أعلاه والتي تعنى بحماية حقوق الإنسان، فان القانون الدولي الإنساني الهادف إلى ضمان معاملة الإنسان في جميع الأحوال معاملة إنسانية في زمن الحرب دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون أو الدين أو المعتقد أو الجنس أو المولد أو الثروة أو أي معيار آخر، قد تطور بفضل ما يعرف بقانون " جنيف" الذي يضم الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية الموضوعة تحت رعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر والتي تهتم أساسا بحماية ضحايا الحرب، وبقانون " لاهاي" الذي يهتم بالنتائج التي انتهت إليها مؤتمرات السلم التي عقدت في عاصمة هولندا ويتناول أساس الأساليب والوسائل الحربية المسموح بها، وكذلك بفضل مجهود الأمم المتحدة لضمان احترام حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة والحد من استخدام أسلحة معينة لعدم مراعاتها إنسانية الإنسان.

وبالتأسيس على المبادئ الأساسية الهادفة إلى حماية حقوق الإنسان في زمن الحرب والمنصوص عليها في اتفاقيات جنيف الأربع وفي البروتوكولين الملحقين بهذه الاتفاقيات في العام 1977، يقتضي أن لا تتنافى مقتضيات الحرب مع احترام الذات الإنسانية وينبغي على أطراف النزاع احترام وحماية الحقوق التالية:

احترام مبدأ حصانة الذات البشرية، مما يعني أنه لا يجوز اعتبار الحرب مبررا للاعتداء على حياة من لا يشاركون في القتال أو الذين لم يعودوا قادرين على ذلك.
منع التعذيب بشتى أنواعه، ويتعيّن على الطرف الذي يحتجز رعايا العدو أن يطلب منهم البيانات المتعلقة بهويتهم فقط، دون إجبارهم على ذلك، وأن يعاملهم معاملة إنسانية حسنة ويتيح الفرصة للجنة الدولية للصليب الأحمر زيارتهم والإطلاع على أوضاعهم.
احترام الشرف والحقوق العائلية والمعتقد والتقاليد. وتكتسب الأخبار العائلية أهمية خاصة في القانون الإنساني الذي يوجب تسهيل عملية التواصل بين كافة المدنيين الذين حوصروا في منطقة كانت مسرحا للعمليات العسكرية.
توفير الأمان والطمأنينة وحظر الأعمال الانتقامية والعقوبات الجماعية واحتجاز الرهائن.
منع استغلال المدنيين واستخدامهم لحماية أهداف عسكرية.
حظر النهب والهجومات العسكرية العشوائية والأعمال الانتقامية.
عدم التعرّض للملكية الفردية وعدم قصف المنشآت المدنية والمنازل والممتلكات.


ب-الانتهاكات والإجراءات الواجب اتخاذها لمعاقبتها.


من الثابت أن العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل ضد لبنان تنتهك كل حقوق الإنسان المشار إليها أعلاه والمنصوص عليها في المواثيق والاتفاقات الدولية المعنية بحماية هذه الحقوق، وهي تحمل بشكل واضح اعتداء على حق المدنيين اللبنانيين بالحياة وبالسلامة المدنية، ذلك أنها تستهدف في الدرجة الأولى المدنيين العزّل والمسالمين والعجزة والنساء والأطفال من دون تمييز. هذا بالإضافة إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يتوانى عن استعمال شتى أنواع الأسلحة المدمرة ومنها المحظورة دوليا ضد المدنيين وعن ضرب المنشآت المدنية والبيوت الآمنة وشبكة المواصلات ومحطات التلفزة والإذاعات والصحافيين بشكل عشوائي ومنظّم وبربري، ما يؤسّس اعتداء فاضحا على حق الإنسان في الحياة وفي سلامته البدنية وفي حريته الشخصية بالتنقل دون قيود وبممارسة مهنته أو عمله بحرية. ثم أن الاعتداءات المذكورة تستهدف بصورة خطيرة الذات والكرامة الإنسانية كونها تهدف إلى إذلال الشعب اللبناني وعزله عن محيطه وعن العالم عن طريق دك الطرقات والجسور وشبكة الاتصالات وتجويع المدنيين وقطع الأغذية والأدوية والمساعدات الإنسانية عنهم وتهجير قسم كبير منهم، هذا إضافة إلى مهاجمة المدنيين بالقصف العشوائي والمركّز لقتلهم وترويعهم وإذلالهم، مما يؤلّف انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وجرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي الجنائي.


إن هذه الاعتداءات والانتهاكات توجب على الأمم المتحدة بأن لا تقف موقف المتفرّج وبأن تقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة التي من الواجب تطبيقها في حالات مماثلة وفقا لما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة وذلك لوضع حد للحالة التي تهدد الأمن والسلم والدوليين. ذلك ان من أولى موجبات مجلس الأمن في الأمم المتحدة هي اتخاذ كل الإجراءات اللازمة من أجل التوصل إلى وقف فعلي للاعتداءات ولإطلاق النار أو على الأقل من أجل دعوة أطراف النزاع إلى الالتزام بوقف فوري لإطلاق النار تطبيقا لنص المادتين 39 و 40 من ميثاق الأمم المتحدة. ولا يجوز لمجلس الأمن أن يستمر في ترك الأمور على حالها وأن يلتزم هذا الصمت المذهل أمام هول المجازر المرتكبة بحق الشعب اللبناني، إذ أن هذا الموقف اللامبالي حتى لا نقول المؤيد للعدوان هو الذي يشجّع دولة إسرائيل على متابعة عملياتها العسكرية العدوانية. فالمادة 40 من ميثاق الأمم المتحدة تحث مجلس الأمن، منعا لتفاقم الوضع الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين، على اتخاذ التدابير المؤقتة اللازمة لإيقاف النزاع المسلح أو على الأقل لوضع حد للانتهاكات الخطيرة التي تطال من حقوق الإنسان ومن الأمن الدولي على أن لا يحسب لعدم أخذ المتنازعين بهذه التدابير المؤقتة حسابه. كما لمجلس الأمن أن يتخذ التدابير العقابية اللازمة التي لا تستلزم اللجوء إلى استعمال القوة بحق الطرف الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين تطبيقا للمادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة. أما إذا رأى أن هذه التدابير لم تف بالغرض، جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ الأمن والسلم الدولي. ومن هذا المنطلق، يمكن القول أنه، أمام هول الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان، لم يعد مسموحا لمجلس الأمن الوقوف موقف العاجز عن ضبط الوضع الأمني وعن وضع حد لهذه الحالة العسكرية الخطيرة التي تهدد الأمن والسلم الدولي في المنطقة نزولا عند رغبة بعض الدول الفاعلة في هذه المرجعية الدولية.

هذا من جهة، أما من جهة ثانية فان من واجب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالنظر إلى فظاعة الانتهاكات الواقعة على القانون الدولي الإنساني وعلى قواعد الحرب، أن تجري اتصالا سريا مع السلطات المسؤولة عن هذه الانتهاكات. وبما أن هذه الانتهاكات جسيمة ومتكررة وحتى منهجية ومنظمة ومؤكدة على وجه اليقين، وبما أن الاتصالات التي أجرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تساعد حتى الآن في تحسين الوضع، يكون من واجب اللجنة اتخاذ موقف علني تدين فيه هذا الانتهاك الخطير للقانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان، ذلك أن هذا الإعلان يخدم مصالح الأشخاص المدنيين المتضررين والمهددين في حياتهم بهذه الانتهاكات. هذا ولو كان اللجوء إلى هذا الإجراء يعد أمرا استثنائيا. يضاف إلى ذلك ضرورة مقاضاة مرتكبي هذه الانتهاكات بجرائم حرب وذلك عن طريق ملاحقتهم أمام المحاكم الجزائية الوطنية المعنية أو أمام محكمة جزائية دولية خاصة Ad Hoc على غرار المحكمة الجزائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة والمحكمة الجزائية الدولية الخاصة برواندا. كما يمكن لمجلس الأمن ( م 13 من اتفاقية روما الموقعة بتاريخ 18 تموز 1998 ) طلب ملاحقة ومحاكمة المسؤولين عن هذه الانتهاكات والاعتداءات الخطيرة الواقعة على القانون الدولي الإنساني والتي تستهدف المدنيين اللبنانيين أمام المحكمة الجنائية الدولية الدائمة التي أنشئت بموجب اتفاقية روما بتاريخ 18 تموز سنة 1998 وحيث بدأت العمل في لاهاي ابتداء من أول تموز سنة 2002 على محاكمة الأشخاص الملاحقين بجرائم الحرب وضد الإنسانية وبجرائم الابادة الواقعة بعد هذا التاريخ.

على المجتمع الدولي الذي طالما تغنّى بالديمقراطية وبالحريات وبحقوق الإنسان والذي من واجبه الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين وحماية الإنسانية أن يتحرك فعلا لوقف الحرب التي تشنها إسرائيل على المدنيين اللبنانيين، وأن لا يقف موقف شاهد الزور على هذه الحالة الخطيرة وعلى المجزرة التي يتعرّض لها الشعب اللبناني وأن يبرهن بأن العدالة الدولية ليست رهينة المصالح الدولية وليست خاضعة لعواصم القرار، وإلا فرحمة الله على هذه العدالة الدولية المسيرة وعلى الحقوق والديمقراطيات في العالم وعلى الإنسانية التي تتعرّض لأبشع الاعتداءات والانتهاكات في لبنان.