25‏/11‏/2006

المناقلات والتشكيلات القضائية بين حجة الدفاع عن حقوق الطائفة المارونية وأحكام القانون والدستور

المناقلات والتشكيلات القضائية اللبنانية بين حجة الدفاع عن حقوق الطائفة المارونية وأحكام الدستور والقانون.

دكتور دريد بشرّاوي
أستاذ في القوانين الجزائية العامة والإجراءات الجزائية والقوانين الجنائية الدولية
في جامعة روبير شومان- فرنسا
أستاذ زائر في كلية الحقوق والعلوم السياسية في انسبروك- النمسا
محام عام أسبق- فرنسا
محام بالاستئناف

صحيفة النهار 16/11/2006

لا زالت مسألة التشكيلات القضائية اللبنانية تتفاعل في الأوساط السياسية والقانونية على خلفية استمرار رئيس الجمهورية في رفضه التوقيع على مرسوم هذه التشكيلات التي قررت من قبل مجلس القضاء الأعلى وفقا لمعايير مهنية ووظائفية والتي حاذت على موافقة وزير العدل ورئيس الحكومة. ويقوم هذا الرفض على أساس اعتبار التشكيلات المذكورة مخالفة لمبدأ المساواة أمام القانون ومجحفة بحق الطائفة المارونية. إلى ذلك فان رئيس الجمهورية يعتقد بالتأسيس على هذا الدفع الطائفي بأنه المرجعية الدستورية الصالحة التي منحها الدستور الحق في عدم التوقيع على المراسيم أو المصادقة على القوانين وفي الطلب من مجلس الوزراء إعادة النظر بالقرار المتخذ والمطعون في صحته من قبله حتى ولو كان القرار المذكور يمت إلى موضوع مناقلات القضاة وتشكيلاتهم أي إلى مسألة بحت قضائية وتنظيمية.

إن موقف رئيس الجمهورية هذا قد يعتبر صائبا وصحيحا من الناحية الدستورية فيما لو كان القرار المتخذ يدخل في صلب صلاحيات مجلس الوزراء الدستورية. لكن هذا الشرط لا يتوفر في القضية الحاضرة، وذلك لان القانون منح مجلس القضاء الأعلى حقا حصريا في تقرير المناقلات والتشكيلات القضائية وفقا لمعايير المهنية والجدارة التي يحددها. وفي حال لم يوافق وزير العدل على صيغة التشكيلات التي قررها مجلس القضاء الأعلى ولم يتم التوصل إلى اتفاق بين هاتين المرجعتين، يعطي المشترع الغلبة لقرار مجلس القضاء الأعلى ويفرض على السلطة الإجرائية المتمثلة بمجلس الوزراء موجب إصدار هذه التشكيلات بمرسوم.

وانطلاقا من هذا الواقع القانوني، يطرح السؤال حول صفة أو طبيعة قرار مجلس القضاء الأعلى المتعلق بالتشكيلات القضائية ( أولا) وحول المفاعيل القانونية التي يمكن أن يؤدي إليها تمنّع رئيس الجمهورية في التوقيع على مرسوم هذه التشكيلات في ظل الضرر الجسيم الذي يلحقه بالسلطة القضائية( ثانيا).

أولا : في الصفة القانونية لقرار مجلس القضاء الأعلى المتعلق بالتشكيلات القضائية.

عملا بأحكام المادة الخامسة الفقرة ( ب) من قانون القضاء العدلي ( المرسوم الاشتراعي الرقم 150/83 ) المعدّلة بالقانون الرقم 389 الصادر بتاريخ 21/12/2001 ، " لا تصبح التشكيلات القضائية نافذة إلا بعد موافقة وزير العدل.
- "عند حصول اختلاف في وجهات النظر بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى تنعقد جلسة مشتركة بينهما للنظر في النقاط المختلف عليها".
- " إذا استمر الخلاف ينظر مجلس القضاء الأعلى مجددا في الأمر لبته ويتخذ قراره بأكثرية سبعة أعضاء ويكون قراره في هذا الشأن نهائيا وملزما".
- " تصدر التشكيلات القضائية وفقا للبنود السابقة بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل...".

إن مقارنة هذا النص بنص المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي القديمة، تبيّن أن التعديل التشريعي الجديد يعطي لمجلس القضاء الأعلى الكلمة الفصل فيما خص مشروع المناقلات والالحاقات والانتدابات القضائية الفردية والجماعية في حال حصول اختلاف في وجهات النظر بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى حول مضمون هذه التشكيلات. ويكون قرار مجلس القضاء الأعلى " نهائيا وملزما" لوزير العدل. وذلك على عكس ما كانت عليه الحال قبل التعديل الأخير والمذكور أعلاه حيث كان القرار النهائي من اختصاص مجلس الوزراء بعد الاستماع إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي كان بامكانه أن يعرض فقط وجهة نظره غير الملزمة. وبهذا يكون المشترع قد هدف من خلال هذا التعديل الذي أدخله على المرسوم الاشتراعي رقم 150/83 ( قانون القضاء العدلي) إلى تجسيد مبدأ استقلالية السلطة القضائية عن السلطة السياسية المنصوص عنه في المادة 20 من الدستور ووضع حد للتدخلات السياسية السافرة في الشؤون الداخلية والعضوية للقضاء اللبناني والى جعل قانون القضاء العدلي متوافقا مع أحكام الدستور ومع المبادئ القانونية الأساسية التي يتوجب تطبيقها في كل نظام ديمقراطي.

غير أنه تجدر الإشارة إلى أن الفقرة ( ب ) من المادة الخامسة الجديدة من قانون القضاء العدلي تنص على أن التشكيلات القضائية تصدر وفقا للشروط السابقة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل. مما يعني أن التشكيلات المذكورة لا تصدر إلا بقرار صادر عن مجلس الوزراء أي عن السلطة السياسية أو الإجرائية في البلاد. والسؤال يطرح هنا عن الحل القانوني الواجب اعتماده في حال رفض مجلس الوزراء التشكيلات القضائية كما قررها مجلس القضاء الأعلى أو تلكأ عن إصدارها أو في حال رفض رئيس الجمهورية التوقيع على مرسوم هذه التشكيلات كما هو حاصل في الوقت الحاضر: فهل يجوز لمجلس القضاء الأعلى أن يلزم السلطة السياسية بقراره المتعلق بالتشكيلات القضائية؟ وهل يؤلّف فعل التمنّع عن توقيع مرسوم التشكيلات القضائية إساءة لاستعمال الحق أو تأخيرا لعجلة القضاء وتدخلا في أموره الداخلية أو حتى خرقا لأحكام الدستور اللبناني؟

تبدو أحكام الفقرة ( ب ) من المادة الخامسة الجديدة من قانون القضاء العدلي صريحة للغاية فيما خص الصفة التنفيذية والإلزامية والنهائية لقرار مجلس القضاء الأعلى وهي لا تحتمل أي تفسير أو تأويل أو اجتهاد، إذ أنها تنص على أن قرار مجلس القضاء الأعلى يكون " ملزما ونهائيا" في حال استمر الخلاف بينه وبين وزير العدل في شأن التشكيلات القضائية، أي انه في حال عدم التوصل إلى حل مشترك بين السلطتين السياسية والقضائية يكون قرار مجلس القضاء الأعلى المتخذ بعد النظر مجددا في الأمر ملزما لوزير العدل وبالتالي لمجمل السلطة الإجرائية المتمثلة بمجلس الوزراء ونهائيا لا رجوع عنه وغير قابل لأي طريق من طرق المراجعة القانونية أو السياسية ولا يمكن تاليا تعديله أو إلغاءه.
وتفرض هذه الصفة الإلزامية لقرار مجلس القضاء الأعلى المتعلق بالتشكيلات القضائية على الجسم القضائي وعلى السلطة السياسية على السواء وهي ليست نسبية وإنما مطلقة وغير محدودة. وهذا يعني أن المشترع أراد عن سابق تصور وتصميم أن يغلّب وجهة نظر مجلس القضاء الأعلى على وجهة نظر السلطة السياسية حفاظا على مبدأ استقلال السلطة القضائية وتطبيقا لمبدأ فصل السلطات الدستوري وحرصا منه على أن لا تضع السلطة السياسية يدها على القضاء من خلال التحكّم بمصير القضاة وبأمور مناقلاتهم وترقياتهم وجعل القاضي تحت رحمتها وخاضعا لتلبية طلباتها على حساب العدالة والحقيقة. مما يعد إنجازا مهما على صعيد استقلال القضاء مقارنة بالنص القديم.
أما بالنسبة لما يجتهد البعض في تفسير نص الفقرة ( ب) من المادة الخامسة الجديدة من قانون القضاء العدلي بالقول أن هذه الفقرة لا تنص صراحة على أن قرار مجلس القضاء الأعلى يكون ملزما لمجلس الوزراء وإنما لوزير العدل، ويكون بالتالي من حق رئيس الجمهورية عدم الموافقة على التشكيلات القضائية إذا ارتأى أنها غير عادلة ومجحفة بحق طائفة من الطوائف اللبنانية، إذ جاء في أحكامها أنه " تصدر التشكيلات القضائية وفقا للبنود السابقة بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل "، فهذا لا يعني البتة أن من حق رئيس الجمهورية أو من حق رئيس الحكومة أو من حق وزير العدل أن يرفض توقيع مرسوم التشكيلات القضائية وأن يعيق عجلة القضاء وأن يشل هذه المؤسسة الدستورية الأساسية في البلاد.

في الحقيقة إن النص على ان " تصدر التشكيلات القضائية وفقا للبنود السابقة بناء على اقتراح وزير العدل ..." يعني أن التشكيلات القضائية لا تصبح ناجزة وموضوعة موضع التنفيذ إلا بعد صدور المرسوم المذكور وفقا لما قرره مجلس القضاء الأعلى بشكل ملزم ونهائي. ويعتبر المرسوم في هذه الحال إجراء شكليا ودستوريا متمما لعملية التشكيلات القضائية يقتضي تطبيقه من قبل السلطة المختصة ( مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء) تحت طائلة المسؤولية السياسية، وليس عملا يتعلق بأساس هذه التشكيلات وبتحديد صيغتها والمعايير التي تقوم عليها، ذلك ان هذه المهمة الأخيرة تقع حصرا على عاتق السلطة القضائية المختصة أي مجلس القضاء الأعلى.
وعليه، ووفقا لأحكام المادة الخامسة الجديدة من قانون القضاء العدلي ولما استقر عليه الفقه الدستوري، تعتبر صلاحية كل المعنيين بتوقيع المرسوم من وزراء مختصين ورئيس حكومة ورئيس جمهورية صلاحية مقيدة أو ملزمة ( Compétence liée ).

ويظهر في القضية الحاضرة أنه بعد خلاف في الرأي بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى حول التشكيلات القضائية، توصل هذا الأخير إلى اتخاذ قرار ألزم بموجبه وزير العدل بتحضير مشروع مرسوم بهذه المناقلات القضائية وفق ما قرره مجلس القضاء الأعلى تم توقيعه من قبل الوزير المذكور ومن قبل رئيس الحكومة فؤاد السنيورة. غير أن مرسوم التشكيلات لم يصبح بعد ناجزا لأن رئيس الجمهورية ما زال يتمنع عن توقيعه بحجة أن التشكيلات القضائية المقترحة لا تراعي مبدأ المساواة وتحمل اعتداء على حقوق الطائفة المارونية.
من هنا تطرح تساؤلات عدة حول المفاعيل القانونية التي يمكن أن تنتج عن هذا التمنّع في التوقيع على مرسوم التشكيلات القضائية وحول إمكانية اعتبار موقف رئيس الجمهورية هذا مخالفة دستورية أو بالاحرى خرقا دستوريا. وما هو تاليا الحل القانوني الواجب اعتماده لجعل التشكيلات القضائية نافذة وفق ما قررها مجلس القضاء الأعلى؟

ثانيا: في المفاعيل القانونية لتمنع رئيس الجمهورية التوقيع على مرسوم التشكيلات القضائية.

- خرق الدستور

اعتبر بعض فقهاء القانون الدستوري في لبنان استمرار رئيس الجمهورية في امتناعه عن التوقيع على المراسيم كما في امتناعه عن تصديق بعض القوانين مخالفة دستورية فاضحة " تؤدي حتما إلى محاكمته أمام المجلس الأعلى وفقا لأحكام المادة 60 من الدستور" التي تنص على أن " لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى ...".
ولهذه الناحية قد يؤلّف فعلا تمنّع رئيس الجمهورية عن توقيع مرسوم التشكيلات القضائية مخالفة صريحة لأحكام الدستور وفق ما تنص عليه أحكام المادة 60 من الدستور، ذلك أن هذا التمنّع يؤدّي إلى عرقلة سير المؤسسات القضائية ويهدف إلى التدخل في شؤونها الخاصة وممارسة الضغوط عليها ليس رفعا للغبن المزعوم واللاحق بطائفة من الطوائف وإنما تحقيقا لأهداف ومصالح شخصية وسياسية تتمثل بتعيين بعض القضاة المحسوبين على رئيس الجمهورية في سدة بعض المراكز القضائية المهمة والحساسة والتي قد تؤمّن للرئيس التدخل الذي يبتغي في القضايا القضائية التي يريد. هذا من جهة، أما من جهة ثانية فلا يمكن لرئيس الجمهورية أن يستند إلى حجة الدفاع عن حقوق الطائفة المارونية كي لا يوقع على مرسوم التشكيلات القضائية طالما أن الدستور ينص صراحة في المادة 20 منه على استقلال السلطة القضائية وعلى ضرورة احترام مبدأ فصل السلطات وطالما أن المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي ( المرسوم رقم 150/83 ) تعطي حق تقرير المناقلات القضائية لمجلس القضاء الأعلى وتخوّله وضع معاييرها وشروطها وتجعل من صلاحيته صلاحية مطلقة وملزمة في هذا المجال للسلطة السياسية. ولا يمكن تاليا لرئيس الجمهورية أن يدفع بحجة الدفاع عن طائفة ضد طائفة أخرى، ذلك أن رئيس الجمهورية وفق ما تنص عليه المادة 49 من الدستور هو رئيس دولة لبنان كل لبنان وليس رئيس طائفة وهو رمز وحدة الوطن. إلى ذلك فان المادة الثانية عشرة من الدستور اللبناني تنص صراحة على أن التعيين في الوظائف العامة لا يجوز أن يقوم على معيار الانتماء الطائفي وإنما على أساس الاستحقاق والجدارة، إذ جاء فيها أنه " لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة وحسب الشروط التي ينص عليها القانون".
وعلى هذا الأساس، فان استمرار تمنّع رئيس الجمهورية عن توقيع مرسوم التشكيلات القضائية يؤلّف خرقا فاضحا لأحكام الدستور، وهذا ما استقر عليه الفقه الدستوري في فرنسا الذي يعتبر تمنّع رئيس الجمهورية عن التصديق على القوانين وعن التوقيع على المراسيم ليس خرقا للدستور فحسب وإنما خيانة عظمى. وتأكيدا لهذا الاتجاه الفقهي الدستوري يعرّف العالمان الدستوريان الفرنسيان " جان جيكال" و جان-ايريك جيكال إجراء التصديق على القوانين من قبل رئيس الجمهورية بالقول أنه " كما لو كان كاتب عدل الجمهورية، إن رئيس الجمهورية، الذي لا يملك حق اتخاذ المبادرة في تحريك عملية التشريع، الممنوح دستوريا ( م 39 ) لرئيس الحكومة وللنواب، يكتفي بالمصادقة على إرادة هؤلاء أو على إرادة الشعب... ولهذا يمكن تعريف إجراء المصادقة على القوانين بالعمل الذي بموجبه يشهد رئيس الجمهورية على ولادة القانون المعني ويعطي الأمر للسلطات العامة المختصة بأخذه في الاعتبار وبنشره وبوضعه موضع التنفيذ... ويقتصر دور رئيس الجمهورية في هذه العملية على القيام بمراقبة صحة القانون من حيث الشكل وليس من حيث المضمون، ما يعني أن على رئيس الجمهورية أن يتأكد من أن القانون صوّت عليه في مجلس النواب وفقا للأصول والشروط التي ينص عليها الدستور وليس أن يعاين صحة مضمونه ... ويتوجب على رئيس الجمهورية المصادقة على القانون خلال مدة خمسة عشر يوما تحت طائلة استقالته أو تعريض نفسه للملاحقة بالخيانة العظمى":
« A la manière du notaire de la République, le chef de l’Etat, privé du pouvoir d’initiative, lequel appartient au premier ministre et aux parlementaires ( art.39), se borne à authentifier la volonté exprimée par ceux-ci ( art .34) ou le peuple ( art. 11). .. La promulgation ou la naissance de la loi peut être définie comme l’acte par lequel le chef de l’Etat atteste l’existence d’une loi et donne ordre aux autorités publiques de l’observer et de la faire observer ( Conseil d’Etat, 8 février 1974, Commune de Montory, Rec. P. 93). Elle vaut ordre à toutes les autorités… de la publier sans délai au J.O. … La portée de la promulgation doit être précisée. L’intervention du chef de l’Etat se limite à la régularité formelle : à savoir qu’il atteste que la loi a été régulièrement délibérée et votée ( Conseil Constitutionnel 23 août 1985, Nouvelle-Calédonie, Rec. P. 70) et aucunement à l’approbation de son contenu… Enfin, le président est tenu d’agir dans le délai préfixe de 15 jours, faute de démissionner ou de s’exposer à la procédure de la haute trahison » ( Jean GICQUEL et Jean-Eric GICQUEL : Droit constitutionnel et institutions politiques, Edition Montchrestien, 20ème édition, Domat droit public, p. 591- Voir aussi en ce sens : Francis Hamon, Michel Tropper et Georges Bourdeau : Droit constitutionnel, L.G.D.J., 27 ème édition, 2001, 693- ). « Le président de la République se trouve dans une zone de compétence liée… Il est alors tenu de procéder à la promulgation de la loi ( art. 10-1c).La doctrine est unanime sur ce caractère impératif. Le chef de l’Etat se comporte ici comme un notaire de la République se contentant d’authentifier la volonté du législateur. Reste que stricto sensu, le chef de l’Etat en s’opposant à l’exécution de la loi peut être accusé d’avoir commis un acte de haute trahison ( art. 68 c ), c’est-à-dire un manquement grave aux devoirs de charge le rendant justiciable devant la Haute Cour de justice » ( Jean GICQUEL : La promulgation- Suspension des lois, R.D.P ( Revue de droit public) 2006, p. 574 et s.).

وفي السياق ذاته يؤكّد الفقه الدستوري على أن صلاحية رئيس الجمهورية في المصادقة على القوانين هي صلاحية مقيدة أي ملزمة، مما يعني أن ليس لرئيس الجمهورية الحق برفض تنفيذ هذا الإجراء الدستوري الملزم. وهذا ما يعلنه صراحة علماء القانون الدستوري في فرنسا ومنهم خصوصا فافورو و غايا وغوفونتيان وماستر وبفرسمان ورو وسكوفوني بالقول صراحة :
« Il appartient au président de la République de procéder à la promulgation de la loi par un décret. Non seulement le chef de l’Etat dispose, ici, d’une compétence liée ( أي صلاحية مقيدة ) ( il a l’obligation de promulguer dès lors que la loi a été définitivement adoptée), mais il doit, en outre, respecter un délai maximum de 15 jours à partir de la transmission de la loi… » ( L. Favoreu, P. Gaïa, R. Ghevontian, J.-L. Mestre, O. Pfersmann, A. Roux, G. Scoffoni : Droit constitutionnel, Précis Dalloz, 5ème édition, 2002, n°942, p. 576-577).
وفي الاتجاه القانوني عينه أيضا، يقرر مجلس شورى الدولة الفرنسي أن رئيس الجمهورية ملزم بالتوقيع على المراسيم المتخذة في مجلس الوزراء بعد عرضها على هذا المجلس ومناقشتها وإقرارها:
« Le président de la République signe les décrets délibérés en Conseil des ministres… La jurisprudence admet que le simple fait de soumettre au conseil des ministres un décret rend obligatoire la signature du président de la République, même si cette délibération n’est prévue ou imposée par aucun texte, notamment lorsqu’il s’agit de modifier un tel décret » (Conseil d’Etat, Assemblée plénière, 10 septembre 1992, Meyet, Recueil, p. 327- Voir aussi en ce sens : L. FAVOREU, P. GAIA, R. GHEVONTIAN, J.-L. MESTRE, O. PFERSMANN, A.ROUX, G. SCOFFONI : Droit constitutionnel, précis Dalloz, 5ème édition, 2002, n° 943, p. 577- Dmitri Georges LAVROFF : Le droit constitutionnel de la V° République, Précis Dalloz, 3ème édition, 1999, p. 804 et s ).

وهذا يعني أن رئيس الجمهورية يكون ملزما بالتوقيع على المراسيم بمجرد عرضها على مجلس الوزراء للمناقشة.
ولكن ما هي الإجراءات القانونية والدستورية الواجب اتخاذها في حال تمنّع رئيس الجمهورية عن توقيع المرسوم المتخذ في مجلس الوزراء أو القانون المصوّت عليه في المجلس النيابي؟ وهل يمكن اتهام رئيس الجمهورية في هذه الحال بفعل خرق الدستور المنصوص عليه في المادة 60 من الدستور اللبناني؟
- مشكلة تحديد مفهوم خرق الدستور
إن المشكلة القانونية التي تطرح هي كيفية تحديد مفهوم خرق الدستور والحالات التي يمكن اعتبارها خرقا حقيقيا للدستور. فالمادة 60 من الدستور اللبناني تنص على أنه لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى، ولكنها لا تعرّف هذين الفعلين السياسيين. أضف إلى ذلك أن المشترع اللبناني لم يأت على ذكر طبيعة أو ماهية هذين الفعلين بصورة مباشرة لا في قانون العقوبات ولا حتى في أي قانون خاص. ويشار، في هذا الصدد، إلى أن المشترع الدستوري في لبنان لم يكتف بالنص على الخيانة العظمى، بل أضاف إليها ما سمّاه بفعل " خرق الدستور"، وهذا على عكس ما نصت عليه المادة 68 من الدستور الفرنسي التي تكتفي بمصطلح " الخيانة العظمى". والسؤال يطرح هنا عن كيفية التفريق بين الخيانة العظمى وبين خرق الدستور.

إن مفهوم " خرق الدستور" يكون أكثر اتساعا وشمولا من مفهوم الخيانة العظمى بحيث يمكنه استيعاب هذا الأخير. فهناك الكثير من الأفعال التي قد يرتكبها رئيس الجمهورية والتي يمكن اعتبارها خرقا لأحكام الدستور ومنها بالطبع استمراره في عدم التوقيع على مرسوم التشكيلات القضائية.
إن كل إخلال بموجبات ووظائف رئيس الجمهورية الدستورية، أثناء قيامه بوظيفته، يمكن وصفه بخرق للدستور وبالاعتداء على أحكامه. فإذا فرّط رئيس الدولة، مثلا، باستقلال ووحدة وسلامة أراضي الوطن عن طريق القبول بتدخل حكومة بلد آخر في شؤونه الداخلية، أو عن طريق الموافقة على استباحة أرض لبنان من قبل قوات غريبة، أو إذا عمد إلى التفريق والتحريض الطائفي وتصرف على أساس انه رئيس لطائفة وليس لوطن، تعتبر أفعاله هذه خرقا لأحكام الدستور ولاسيما لأحكام المادة 49 منه التي تفرض على رئيس الجمهورية السهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. وفعل التفريط هنا بسيادة الدولة واستقلالها والتنازل عنها لمصلحة دولة أخرى قد يعتبر " خيانة عظمى" وليس فقط خرقا لأحكام الدستور يوجب محاكمته أمام المجلس الأعلى. وعليه تكمن الخيانة العظمى في فعل رئيس الدولة الذي يقدم على أساس نية سيئة ومضرة على عرقلة عمل المؤسسات الدستورية أو على منع تطبيق أحكام الدستور، ما يؤدي ليس فقط ( كما هي الحال بالنسبة لفعل خرق الدستور) إلى خرق فاضح للواجبات الدستورية الملقاة على عاتقه وإنما أيضا إلى انتهاك خطير لمصالح الدولة العليا ( جريمة سياسية). والخيانة العظمى تتحقق في هذه الحال عبر مخالفة رئيس الجمهورية ليمين الإخلاص للأمة وللدستور والذي يلتزم بموجبه " احترام دستور الأمة اللبنانية وقوانينها والحفاظ على استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه".
ولكن نلفت الانتباه إلى أن ليس كل خرق للدستور يؤلّف خيانة عظمى، فإذا سمّى رئيس الجمهورية، على سبيل المثال، رئيسا للحكومة دون التشاور مع رئيس مجلس النواب ودون القيام بالاستشارات النيابية الملزمة، فان فعله هذا يعتبر خرقا لأحكام المادة 53/2 من الدستور وليس خيانة عظمى. كما يعتبر خرقا لأحكام الدستور فعل إصدار رئيس الجمهورية مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء أو إقالتهم من دون الاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء ( م. 53/4 من الدستور)، وفعل حل مجلس النواب دون أن يطلب ذلك من مجلس الوزراء ودون أن ينال موافقته على هذا القرار ( م 55 من الدستور). إلى ما هنالك من أفعال أخرى متعددة قد تعتبر خرقا للدستور ومنها طبعا رفض رئيس الجمهورية التوقيع على المراسيم المتخذة في مجلس الوزراء وعلى القوانين.

وما يمكن التأكيد عليه هو أن فعل خرق الدستور يؤلّف، في كل الأحوال، إخلالا سياسيا وليس جريمة جزائية وذلك لأن نص المادة 60 من الدستور اللبناني، كما نص المادة 68 من الدستور الفرنسي، أتى خاليا من القاعدتين اللتين تحكمان القانون الجزائي وهما وصف فعل " خرق الدستور والخيانة العظمى" «وتحديد العقوبة " الواجب تطبيقها بحق مرتكب هذا الفعل أو المساهم في ارتكابه. وبهذا، وفي غياب أي تعريف قانوني أو دستوري لفعل خرق الدستور، وفي غياب أي نص تجريمي أو عقابي خاص، فلا يجوز اعتبار هذا الفعل جريمة توجب محاكمة فاعلها أمام المجلس الأعلى إلا إذا تطابقت عناصر هذا الفعل مع وصف قانوني معيّن منصوص عليه في قانون العقوبات أو في قانون خاص أو في الدستور قبل وقوع الفعل المنسوب إلى رئيس الجمهورية، وإلا فيمكن اعتبار إجراءات الاتهام والمحاكمة قائمة على أساس غير شرعي أو غير قانوني لمخالفتها القاعدة القانونية الأساسية التي تنص على أن " لا جريمة ولا عقوبة من دون نص نافذ وقت وقوع الفعل ". وعلى افتراض قيام المشترع حاليا بتحديد وصف فعل خرق الدستور وبتحديد العقوبات الواجب النطق بها ضد فاعله بموجب نص قانوني أو دستوري جديد، فلا يمكن تطبيق هذا النص الجديد بمفعول رجعي على مخالفة ينطبق عليها وصف خرق الدستور ومرتكبة من قبل رئيس الجمهورية قبل صدور القانون الجديد وذلك عملا بقاعدة عدم رجعية القوانين العقابية الجديدة التي ليست لصالح الشخص الملاحق أو المدعى عليه. ولكن تجوز ملاحقة رئيس الجمهورية بالخيانة المنصوص عليها في المواد 273 إلى 280 من قانون العقوبات، وان لم تكن معرّفة بموجب قانون خاص كفعل مرتكب من قبل رئيس الجمهورية، في حال توفر عناصرها التأسيسية، وذلك بالإحالة على نصوص قانون العقوبات المذكورة أعلاه التي تجرّم أفعالا يمكن إدخالها ضمن إطار الخيانة بمفهومها الضيق أو الجزائي ( حمل السلاح على لبنان في صفوف العدو- أعمال عدوان ضد لبنان- دس الدسائس لدى دولة أجنبية أو توفير الوسائل لها للعدوان على لبنان وللتدخل في شؤونه الداخلية- شل الدفاع الوطني...). ومهما يكن من أمر، لا يمكن اتهام رئيس الجمهورية بفعل خرق الدستور أو بفعل الخيانة العظمى إلا من قبل مجلس النواب بغالبية ثلثي أعضائه وفقا لما تنص عليه المادة 60 من الدستور.

ومن هنا نعتقد أن عملية اتهام رئيس الجمهورية بفعل خرق الدستور لرفضه التوقيع على مرسوم التشكيلات القضائية ليست بالعملية السهلة وتعترضها كما رأينا عقبات قانونية جدية وعقبات سياسية، إذ من جهة ليس من السهل أن يوافق مجلس النواب بغالبية ثلثي أعضائه على ملاحقة رئيس الجمهورية بفعل استمراره في التمنّع عن توقيع المرسوم المذكور أعلاه، ولا يمكن من جهة ثانية اتهام رئيس الجمهورية بخرق الدستور من دون أساس شرعي. لذلك يقتضي اللجوء إلى إجراء دستوري واقعي وعملي يمكن بموجبه وضع مرسوم التشكيلات القضائية موضع التنفيذ وجعله نافذا وذلك عن طريق تطبيق أحكام الفقرة الثانية من المادة 56 من الدستور التي تنص على أن رئيس الجمهورية " يصدر المراسيم ويطلب نشرها، وله حق الطلب إلى مجلس الوزراء إعادة النظر في أي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إيداعه رئاسة الجمهورية. وإذا أصر مجلس الوزراء على القرار المتخذ أو انقضت المهلة دون إصدار المرسوم أو إعادته يعتبر القرار أو المرسوم نافذا حكما ووجب نشره".
وبالتأسيس على نص هذه الفقرة الدستورية، على مجلس الوزراء أن يدع رئاسة الجمهورية مرسوم التشكيلات القضائية الموقع من قبل رئيس الحكومة ووزير العدل. ويكون لرئيس الجمهورية حق الطلب إلى مجلس الوزراء إعادة النظر فيه من حيث الشكل وليس من حيث الأساس أو المضمون خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إيداعه رئاسة الجمهورية. وعلى مجلس الوزراء أن يصر على التشكيلات القضائية من حيث المضمون كما قررها مجلس القضاء الأعلى لأن إجراء تقرير التشكيلات القضائية هو من اختصاص مجلس القضاء الأعلى وحده وهو إجراء نهائي وملزم للسلطة الإجرائية وفقا لأحكام المادة الخامسة ( الفقرة ب) من قانون القضاء العدلي ( المرسوم الاشتراعي رقم 150/83 المعدّل بالقانون الرقم 389 تاريخ 21/12/2001 ). وبهذا الإصرار يصبح مرسوم التشكيلات القضائية نافذا حكما ويتوجب نشره في الجريدة الرسمية. وكذلك هي الحال فيما لو انقضت مهلة الخمسة عشر يوما دون إصدار مرسوم التشكيلات أو إعادته إلى مجلس الوزراء.